11.5.13



20130511-122916 PM.jpg

كم من طائرٍ
ينظر نحو السماءِ
باحثاً عن رفيقه الذي...
وضع في قلبه
رسالةً لأُمه

أُماه إني قد كسرتُ جناحي
طرتُ ضد التارِ
مهاجراً عنكِ
فخارت قواي

أماه هذا موسم هجرةٍ آخر
وأنا ما زلتُ أفترش الترابَ
أنظر نحو السماءِ

أتخيلكِ...
تعتريني أبتسامةٌ عارية
مخللةً بذكرياتنا الجميلة
كستارةٍ تحتضن الضوء
تحبسها لنفسها

وانا أحبس افكاري لنفسي
بجمالها وبريقها
بصوتها الشجي
وبلونها الاخاذ

أنا يا حبيبة قلبي
عاشقٌ لكل شيءٍ فيكِ
قلبي يردد إسمكِ
أماه أنتِ... أهلي
عُشي
شجري
ظلي
ومائي العذب

أتخيلكِ...
فوق تلتكِ المفضلة
تنظرين نحو المضيقِ
باحثةً عن مهاجرٍ إليكِ
ولكن الساعات تمضي
والأيام ترحل
ولايزال حضنك فارغا

أُماه ليس هذا العامُ عامنا
ولكني قادم...
نحو جنوبك الدافئ
نحو ربيعه الابدي...

يوماً ما ستجمعنا الليالي
وسأحضن القلب الحزين
وسأبكي... أبكي
أبكي حباً لأرضي

لجباله وتلاله
لمضيقه وسهوله
ولكل الهائات فيه
لشتائه وربيعه
لخريفه أبكي
في صيفه
ولكل شيء فيه

أبكي العاشقين
تحت الرصاصِ
أبكي العذارى
أبكي خمارهن
المبتلة بماء الوجه
وأبكي طفلةً
تكسرت لعبتها
تحضنها.. تقبلها
أبكيهم جميعاً

أماه هذا موسم هجرةٍ آخر
وأنا ما زلتُ ابكي نفسي
وشوقي الابديَ لارضي

30.4.13



20130501-020515 AM.jpg


يا أنت يا شمس الظلام
يا إبتسامة السحر
يا نجمة لا تأفل
يا أنت يا وطن الحنين

إشتقت إلى روائح الاشياء فيك
عشبك الطري
المطرُ منهمراً على تربتك
السعادةُ في وجوه الطفولة

عطر أمي
رائحة خبزها
الحنان المنبعث من راحة أبي

هزيج العصافير
الفراشاتُ هائمةٍ حول الزهور
أوراق الشجر مُرتوية بالندى

شخبطة الطباشير على الجدران
قصص الجدات

اصوات التحفيظ: "وَ.. وَ.. قُلْ.. قُلْ..ربي.. ربي"
اسراب الحمام المشاكس
مداعبة الغمام للفلاح
ضرباته للأرض
إنبثاق النتة أمام عينيه

كبرياء النخيل
ظلها البارد
تجمعنا حول صحن الغداء
رسائل الاحبة المغلقة
رائحة البحر قبل المغيب
السمر حول المدفئة

سريري
جداره الازرق
الشمعة ملتهمةً ظلام الغرفة
و وجهي مغلقَ العينينِ
مبتسماً لأحلام الطفولة

وكثيرٌ من الأشياء
فتظل معنا
لتسكن القلب

24.4.13



20130424-110637 AM.jpg

قالت: "لا شيء لي في هذا الليل الطويل.. لا شيء"

قلت لها: لك الله...
وأُنس الحيارى...
وأنين العاشقين في نيسان
وحنينهم لترب أرضهم المقدسة

لك الله
وأوراق الياسمين
وعطر البنفسج
يهب راقصاً إليك مع النسيم

لك الله
وتاريخ أُمة ركعت
بعد طول قيام
لك أمجادها
عنفوان شبابها
وبريق أملٍ
يشق ظلام ليلك القاتم

لك الله..
ولكي.. كل شيءٍ جميل
لك السماء مزركشة بالنجوم
ولك ابتسامة طفلةٍ
تقلد مشيتك كظلٍ في الاصيل
تذاعبكي لتسرق إبتسامةً منك
في ليلٍ... طويل

24.3.13



20130325-014220.jpg
في الدارِ نافذةٌ..
تكبلها ستارةٌ
شفافةٌ... بيضاء
تتراقص مع الهواءِ
تحضن الجوَ
جلستُ أُناظِرها
مبعثرةً كالرمادِ
وكانها تاريخُ امةٍ
تصارع الموتَ

23.3.13



20130324-020810.jpg
من يغسل الدمَ
في الطرقاتِ
والشوارعِ
بين الازقةِ
وعلى الرصيفْ

من يغسل الدمَ
على اليدينِ
بين الأصابعِ
تحت الأظافرِ
وعلى الثيابْ

من يغسلُ الدمَ
فوق الرؤسِ
على الجباهِ
بين الجفون
وعلى الخدود

من يغسل الدم
على شواطئ أرضي
من يغسل الدم
بين نهري أرضي
من يغسل الدم
في أرض البخور


20130324-014719.jpg

ما عادَ ينفعُ..
نحيبكَ…
بين ذراعيهِ
الارضُ تحمله
وهوَ…
يحمِلكَ

ما عادَ ينفعُ..
أنينكَ…
في غيابه
قد هاجر الارضَ..
نحو اليونانِ…
لتجلده عبودية الزمنِ

ما عادَ يسمعُ..
ندائكَ…
قد اطرشه
صخبُ الحياةِ
وعويلُ احشائه
المتمزِقة..

ما عاد يبكي
الا وحده
في كوخه الرثْ ال..
عتيق…
يغسلُ جبينه
بمطرٍ أسود

لا موت بعد اليوم..
يا ميتاً...
والقلب ينبضُ
يا طينة الأبنوسْ
لا مجدَ لك
فاخضع لجلادك

او.. اضرب الارضَ
بشقك الايمن
وسدِ الرأس بالساعد
والتحف نفسكَ
وضمم الساقينِ اليك
ومت.. قبل شروق فجرٍ آخر..


20130323-164613.jpg

يا أنتَ..
يا زُرقةَ السماءِ
وبياض السُحبْ
يا كلَّ الذين تركتهم..
يا جمال الكونِ..
يا إنتصار الروحِ... على الجسد
يا لُجةَ الشوقْ


يا فُرقةَ القلب للأحشاء
يا تربةً لم اسجد عليها.. بعدُ
يا لهيب الشمسِ.. على العاتقْ
يا ارتفاعَ جبيني نحو نجمِكَ
يا رائحة العشبِ الطري
يا صباحاً اغرقه الندى
يا موطني...


لك في القلوبٍ محبةٌ
وعناقِدٌ من شجن
تركتُ فيك بعض طفولتي
وبرائتي
وجنوني
تركتُ فيك بعضاً من الروحِ
واخذتُ انا الجسدْ


إنّي وهَبتُكَ كلَّ شيءٍ
حقيبتيَ المدرسيةَ
قُن دجاجتنا
صوصيّها
كيسيَ البلاستيكي
صورتنا الجماعيةَ
والعابيَ المتكسرة


وهجرتك حافي القدمين
عاري الرأسِ.. الا منكَ
باحثاً عن حياةٍ لميتٍ مثلي
تائهاً في غربِ أوربا
خانِعاً لسجنيَ الوهمي
لتمر الفصولُ مرورَ الساعاتِ
والسنينُ مرور الايام


وكطائرٍ شمالي المَنشئ
اشتاقُ كل عامٍ
الى هجرةٍ نحو الجنوبِ.. نحوكَ
ولكني هدهدٌ اثقلته أنباؤك
وتكسرت اجنحته في طريقه اليك
فما عاد يقدِرُ
الا ان يسافِرَ عنكَ

9.3.13



20130309-192203.jpg

يخرج احدنا الى نور السماء باحثاً عن كل شيء، عن اسمه، عن امه، عن معطفٍ يقيه برودة الحياة، عن سيدة تجلب معها الى قلبه بعض الدفئ. ومع هذا البحث المضني يقف الشخص مع نفسه وقفات عميقة تجعلة يستفسر عن ثلاثة اشياء: من اين اتى واين هو الآن والى اين يسير.

فلا يجد الا اجابتين من اصل ثلاثة، فيستمر في بحثة وسيرة الى ان يتوفاه ملك الموت وحينها فقط يمتلك الاجابات المطلوبة. في هذه الرحلة الازلية تعلمت اشياء كثيرة لا يمكنني صياغتها بتمهل وبالتسلسل المطلوب حيث انها ثقيلة صعبة الفهم حتى علي ولكني ارجو من سردها ان تعين احداً ما في رحلته الطويلة لفهم الحياة. فاليكم ما تعلمته حتى الآن:

الحياةُ معتقدٌ شخصي، خليطٌ من حبالِ افكارٍ متشابكة، اربعون الف فكرة في ساعةٍ واحدة، ولا نذكر منها الا القليل..

لتكون سعيداً عليك ان تحرق كل افكارك على درجة حرارةٍ تعادل ال٢٠٠ درجة مئوية.. ثم صِغ حياتك على مكثٍ ولا تجزع.

الحياةٌ تقوم على اربعة اركان، اقرارٌ داخلي، عملٌ مخلص، ترسيخ للخير، وصبرٌ عميقٌ بلا حدود.

اما لاقرار، فهو ايمانك بنفسك وبقدراتك، انه ادراكك بماهِيتك وبحدودك واهدافك، واما الثلاثة الاخرى، فكن فيها كالمزارع، احرث ارضك خيراً، وصبر على الفصول الاربعة، ولن يخيب الله ظنك، وستحصد ما زرعت ولو بعد حين.

كن كعود الخيزران، لا تسمح بالرياح ان تكسرك، لا تقاومها، بل سايسها وتمايل معها، ولكن… اعلم ان لك جذوراً في قلب الارض، ولست ورقة توتٍ خريفية.

استسلامك في مواقف الضعفِ شجاعةٌ بحد ذاتها، ان تحفظ راسك لتستخدمه بشكلٍ افضل في المرة القادمة خيرٌ لك من ان تلقي به الى التهلكة في موقف طفولي وبشكلٍ ارعن.

سل نفسك، ماذا تجني من عملك تحت الشمس؟ يرحل جيل وياتي آخر والارض على حالها، والشمس مشرقة او مغربة، والرياح ذاهبةٌ شمالاً او قادمة الى الجنوب. وكذلك الانهار، تسبح الى البحر، فلا هي تتوقف عن السباحة ولا البحر غارقٌ بمائها.

كل الاشياء جميلة ولو لم نفهمه، العين تصيغ لنفسها لغتها الخاصة والاذن ترسم اصواتها كما تريد، كل ما كان سيكون، وكل ما تم، سيتم مرة اخرى، لا جديد تحت الشمس.

ما تم كسره لا يمكن جبرة الا بعناء، وما ضاع لا يمكن عده الا بعد ايجاده، لا تجري خلف الرياح ولا خلف احلام الصبا، انت ابن هذه اللحظة فاغتنمها.

الحكمة ادراكٌ للاشياء على حقيقتها ليس على ما تهواه انت..

لكل شيء تحت السماء موسم ووقت، وقتٌ للحياة ووقتٌ للموت، وقتٌ للزراعة ووقتٌ للحصيد، وقتٌ للمرض ووقتٌ للشفاء، وقتٌ للضحك ووقتٌ للبكاء، وقتٌ للحب ووقتٌ للكراهية، فلا تخلط بين الاشياء وعلم ان بعد كل عسرٍ يسرين.

في كل الاحياء امل، كلبٌ حي افضل من اسدٍ ميت، الاحياء يعرفون انهم سيموتون، ولكن الاموات لا يعرفون اي شيء... الاحياء يهدمون ويبنون، يزرعون ويحصدون، يحبون وينجبون، اما الاموات فليس لهم الا التراب.

2.2.13



20130202-225104.jpg

قامت الحضارة الاوروبية على اعتقاد لا يمكن وصفه بالانساني، قامت على فكرة الخلاص، بكل بشاعات هذا الخلاص، من مطاردةٍ وقبضٍ ثم صلبٍ مزعوم على خشبتين عملاقتين وبمسامير طويلة تخترق اطراف الضحية. ثم يعلق على باب المدينة ليجف دمه من كل السوائل، وبعد وفاته لم يكتفوا بتركه في قبره بل زعموا انه خرج واظهر لهم جروحه وفراغات جسده وبعدها وبكل بساطة يرحل صاعداً الى السماء. ولكن هذه الجريمة المزعومة ضد عيسى عليه السلام والتي -كمسلم- لا اؤمن بها (لان الله يقول: "وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم") هي ما فتح الباب للمسيحيين بحرق وصلب كل من وقف ضد دينهم او شكك فيه، وذلك من القرن الرابع الى القرن العشرين بل وحتي يومنا هذا ولكن بحروب وحروق اكثر ذكاءً.

في القرن الرابع انتشرت المسيحية الى آسيا الصغرى وبها غزت اوروبا وعاصمتها روما، فحرقوا كتب الرومان وآلهتم ودمروا معابدهم ووضعوا الناس للسيف وصلبوا كل من رفض هذا الدين، وجعلوا المسيحية دين الدولة وما عداها فهو محرمٌ يوجب القتل. وهكذا تم مسح آثارٍ رومانيةٍ كثيرة ولم تنجو منها لا ما تم اخفائه او تسريبه خارج هذه البلاد. بعد اعوام، وصل هذا الدين الى مصر وفُعل بالاسكندرية ما فعل بغيرها من المدن ولكن هذه الجرائم وصلت ذروتها في عام ٣٨٥م في اول جريمةِ حرقٍ لإنسان حي بجريمة "الكفر".

وصل هذا التفكير الإجرامي الى قرطاج بعد ست سنوات من جرائم الاسكندرية فحرقوا ودمروا المعابد وقتلوا وحرقوا الكثير من الوثنيين "الكفار" في داخل هذه المعابد. وبعد ما يقارب من العقدين من الزمن تفشى هذا الفكر الفاشي فلم يعد للوثنيين ملاذ الا اعتناق هذا الدين والتسليم لرجلٍ مصلوب على خشبة بدل ان يصلبوا هم كما حدث للكثيرين في روما والاسكندرية وقرطاج وغيرها.

في سنة ٤١٥م قام "الثوار المؤمنون" بافكار الخلاص، قاموا بمهاجمة وقتل هيباثيا الاسكندرية، كانت هيباثيا فيلسوفة وباحثة في علوم افلاطون الحديثة وكانت سيدة عصرها في الحساب وعلم الفلك، كانت تؤمن بالبحث الرياضي والمنطقي للوصول الى حقيقة الاشياء بدلاً من البحث التجريبي. بحسب هؤلاء الغوغاء كانت جريمتها ممارسة السحر والشعوذة والالحاد. فجروها من شعرها في شوارع الاسكندرية، جردوها من ملابسها وربطوها بالحبال وضلوا يجرونها حتى سلخت الارض جلدها، وبعد موتها البشع لم يكتفوا بترك جثتها او دفنها، بل اعدوا لها كومة من الاخشاب والقوها فيها ثم اشعلوا فيها النار.

وبقتلهم لهيباثيا تم الخلاص من الفلاسفة "الكفار"، اذ انهم فروا بارواحهم الى بلاد فارس والهند وأغلقت ابواب مدرسة اثينا في الاسكندرية، وبهذا اندحرت الاسكندرية كعاصمة للعلم واصبحت عاصمة للفاشية وجرائم الصليب. حمل هؤلاء العلماء الفاريين من الاسكندرية وغيرها معهم اهم كتب عصرهم في الحساب والفلك والهندسة والطب واحتفظوا بها وعلموها لطلابهم حتى وصل اليهم المسلمون وترجموها للعربية واستفادوا منها وطوروها. في الوقت الذي كانت اوروبا غارقة في بحر من الخلاص الدموي بعد ان حرقوا كل الكتب العلمية، واصبح العلم محسوراً على الكنيسة حتى انهم حرقوا كل من شكك ولو مازحاً في الكنيسة وتعاليمها.

اما جرائم مسيحيي القرون الوسطى فحدِث ولا حرج، من محارق جماعية الى ذبح في الشوارع كما حدث في جنوب فرنسى باسم المسيح وخاصة في عام ١٢٠٩م عندما امر البابا انونسنت الثالث باطلاق حملة ضد البيجان وتم ذبح ٧٠٠٠ شخص في كنيسة مادلين وحدها، وبعد عامين جريمة كبرى في ستراسبرغ تم فيها حرق العديد من "الكفار" احياء. وبعد واحد وثلاثين سنة تبدا محاكم التفتيش لتطهير المجتمع من "المنافقين" والمندسين واعداء الكنيسة.

وبعد قرن من هذا الجهل، يضرب الطاعون الاسود اوروبا ولا خلاص لهم لان الكنيسة حرمت الطب لانه من الشعوذة والكفر وبهذا مات ثلث سكان اوروبا. والمفارقة المضحكة المبكية هي انهم وضعوا كل اللوم على اليهود لانهم -وبحسب الكنيسة- قاموا بسحر كبير استخدموا فيه نوعاً من الثعابين السوداء الضخمة تسمى الباسيلسك (Basilisk) فصنعوا منها سماً فتاكاً وضعوه في مياه الشرب في الانهار والآبار، واعتبروهم المسؤل الوحيد لموت ملايين البشر فما كان من عشاق الخلاص الا ان تخلصوا من اليهود بطريقتهم المعتادة، الا وهي الحرق.

قال المؤرخ نورمان كانتون في كتابه 'في اعقاب الطاعون': "أُحرِق اليهود على طول الطريق الساحلي من البحر المتوسط الى المانيا... تحت وطاة التعذب حتى يعترفوا بكيفية نشرهم للطاعون وكيف خلطوا السم في الآبار وكيف صنعوه من جلد البزيليسق (الثعبان الاسطوري الذي ذكرته مسبقاً)". فيال سخرية الايام عندما ياتي هؤلاء واتباعهم ليعلمونا الانسانية وحقوق البشر.



20130202-225224.jpg

ثم ندخل في القرن الخامس عشر والقتل بالجملة، وخاصة بعد سقوط الاندلس وحرق المسلمين واليهود ومحاكم التفتيش والتعذب بآلاتٍ لم يشهدها التاريخ من قبل. حتى انه وبعد مرور اربعة قرون من سقوط الاندلس وتحديدا في عام ١٨٠٨م ارسل نابليون جنود الى اسبانيا فوجدوا فيها اقبح صور الاجرام في ما كان يعرف بقاعات التعذيب والتي كانت معظمها في الطوابق الارضية للكنيسة وتحت سجاداتها الفاخرة المقدسة.

وجد جنود نابليون سجونا ارضية وغرفاً معدنية لا تكفي لطفلٍ في العاشرة يوضع فيها السجين حتى يموت، وجدوا كياكل عظامٍ مازالت في قيودها وبشاعات، وجدوا اجهزة لسلخ الجلد واخرى لتكسير العظام وخلع الاظافر وكثير منما يقشعر له الجسد ولا يمكنني نقلها حفاظاً على انسانيتي. اما القرون ال١٦ و ال١٧ فلا تختلف عن غيرها من حرق للعلماء بتهمة السحر واستبداد وتوزيع لسكوك الغفران، وتستمر فكرة الخلاص على هذا الحال الى عامي ١٧٨٢م وحرق انا جولدي بجريمة السحر في سويسرا، وحرق باربرا زديونك في بولندا عام ١٨١١م.

وبعدها دخلنا في الحروب العالمية ونظرية نيتشي "السوبر مان" وافكار هتلر ومن معه بالخلاص من كل من يخالف دينهم وعرقهم بالحرق وجعلهم قرباناً للصليب لانهم كفروا برجل تم تثبيت اطرافه على خشبة ضخمة وبمسامير طويلة ورأسه يميل الى اليمين قليلاً. لا يمكن ان نتوقع اقل من هذه الدرجة العريقة من الاجرام من دين يروض ابنائة على ان العنف رحمة، وان المسيح مات لخلاص البشر، فكيف لجريمة كهذه ان تخلص البشر؟

اذاً أليس من السُخف ان نحاول مقارنة دينا مع دينهم ونتبجح على انفسنا بسرد بعض الافعال الاجرامية التي رغم بشاعتها لا يمكن لعاقل ان يقارنها بما ذكره المؤرخون من وقائع لا يمكن انكاره على يد المخلصين؟، ولانني اود ان اكون محايداً رغم استحالة ذلك لم اذكر ما فعلوه في حروبهم الصليبية لبشاعة احداثها ولانني ارجو ان تكون كلماتي تحفيزاً لقراءة تاريخ تلك الحقبة السوداء من تاريخنا الاسلامي.

ان كان هناك دين فاشي فهو ليس الاسلام ولا الثقافة الاسلامية مهما قِيل عنها، والارقام تشهد بذلك. ولكن ما استغرب منه هو سطحية البعض في سرد ادلتهم على فاشية الاسلام حيث يقولون ان فلان قتل وعلان حرق ويجعلون الامور شخصية بحتة ونحن نحاول محاورتهم بمقارنة هذا المجتمع بذاك، هل كان المجتمع الاسلامي يمارس هذه الطقوس ويؤمن بها ام ان بعض الحكام تجاوز الدين الى رغباتهم الشيطانية في الانتقام من معارضيهم؟

والاعجب من ذلك قولهم ان العرب في الجاهلية لم يمارسوا التعذيب، اذاً ما قيمة الاسلام ولماذا جاء لمجتمع حضاري راقٍ يحترم حقوق الانسان؟ وذكروا ايضاً ان التعذيب بعد الاسلام في مكة كان للعبيد فقط! وهنا تتضح عقلية الجهل المركب، هل كان عمار بن ياسر وبأبيه وأمه عبيداً عندما كانت قريش تعذبهم برمضاء مكة وهم بعد ان يلبسوهم ادرعة الحرب الحديدية؟ وان لم تقنعك هذه فانظر الى تفسير قوله تعالى: "مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [النحل: ١٠٦]. وقال ايضاً: "ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" [النحل: ١١٠] فان لم تكن قريش تعذب الحر قبل العبد والتاجر قبل الفقير فلماذا الهجرة اصلاً؟

والمضحك المحزن قولهم ان الخطاب الديني الاسلامي خطابٌ ارهابي ودليلهم على هذا اجزاء من اسماء كتب وزعموا انها اسماءٌ مرعبة. يالها من سطحية! وتجد صاحب هذه النظرية "الاسلام دين جريمة" يفتقر الى اي دليل نصي او تاريخي وكل ما يعتمد عليه هي افكار لشخصيات غير محايدة كهادي العلوي وغيره من الماركسيين الملحدين الذين يكرهون الاسلام ولا يؤمنون به فيضعون افكارهم تحت سطور منمقة لتشويه الاسلام.

وعليه فاننا نحتاج للموضوعية بشكلٍ اكبر لفهم ديننا والدفاع عنه بالتي هي احسن لا بالهروب عنه ومهاجمته في كل حين. قد لا نختلف في ان الاسلام دين تسامح ولكن نختلف في محاولة مقارنة جرائم المجتمع الاسلامي بالمجتمعات الغربية وتجريم المسلمين جميعهم بسبب افعال شرذمة منهم، نختلف ايضا في عدم موضوعيتنا في سرد الاحداث التاريخية، فالمصدر النجس لا يمكنه ان يعطيكم معلومات طاهرة بل سينجس عقلك ويشكك في دينك.

1.2.13



20130201-165407.jpg

علينا ان نؤمن بان الله قوي قادر على عباده، خلقهم كلهم ولم يُخلق هو، فلا ند له ولا شريك. ومهما وصلنا من علم فان فوق كل ذي علمٍ عليم، وموضوع الخلق طويل متشعب ولكن قبل الخوض فيه علينا ان ندرك ان العلم عند الله واننا بشر وان تحصيلنا محدود لا يقارن بعلم الله مهما وصلنا من فهم.

خلق الله اول ما خلق القلم وقيل العرش، لحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد" وصححه الألباني. وبعد القلم، الماء، ثم العرش ثم الخلق الله الملائكة ليحملوا العرش. قال الذهبي في كتاب العو :عن بعض المشيخة قال: أول ما خلق الله عرشه على الماء، وخلق الملائكة فقالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: لحمل عرشي، قالوا: ومن يقوى على ذلك؟ قال: فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فيحملكم. وبعدها خلق الله الارض ثم السماوات ثم والجن.

قال تعالى: "وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "{النَّازعات:30-31} قال ابن كثير في التفسير: 'إن الله ابتدأ بخلق الأرض أولاً، ثم خلق السموات سبعاً، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك'. ا.ه

أخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين مرفوعاً: "إن الماء خلق قبل العرش وروى السندي بأسانيد متعدده: إن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء."

قال تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ".

قال الطبري في تفسيره للآية في ما رواه:"عَنْ قَتَادَة : { وَالْجَانّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْل } وَهُوَ إِبْلِيس خُلِقَ قَبْل آدَم . وَإِنَّمَا خُلِقَ آدَم آخِر الْخَلْق , فَحَسَدَهُ عَدُوّ اللَّه إِبْلِيس عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ الْكَرَامَة , فَقَالَ : أَنَا نَارِيّ , وَهَذَا طِينِيّ , فَكَانَتْ السَّجْدَة لِآدَم وَالطَّاعَة لِلَّهِ ـ تَعَالَى ذِكْره"

اما قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"

والؤال هنا هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك كما ذكر اهل التفسر، قال ابن كثير في تفسيره: "وكأنهم (اي الملائكة) علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من "صلصال من حمأ مسنون" أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم قاله القرطبي . أو أنهم قاسوهم على من سبق"

وقوله "الذي يفصل الناس" قيتضي انهم سيظلمون انفسهم وسيحتاجون الى من يقودهم ويعلمهم ويحكم بينهم، وهذا الظلم اعظمه ظلم العبد لنفسه فلا يعبد الله عز وجل وثانيه ظلم العبد لغيره بارتكاب الجرائم وعليه فان اعظم هذه الجرائم الافساد في الارض وقتل الناس.

والوجه الآخر هو "أنهم قاسوهم على من سبق" اي ما سبق لهم علمه قبل خلق الانسان من مخلوقات، اي ما فعله الجن ببعضهم البعض، وهنا جمع ابن كثير اقوال المفسرين، اهمها ما قوله: "قال ابن جرير عن ابن عباس: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً قال: فبعث اللّه إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: {إني جاعل في الأرض خليفة}"

وعليه فان الجن كانوا اول من سكن في الارض، فعبدوا فيها الله عز وجل، الى ان طال عليهم الامد فعصوه وافسدوا في الارض وقتلوا وسفكوا وارتكبوا الجرائم وكفروا بانعم الله عز وجل. "فأمر الله جنوده من الملائكة بغزو الأرض لاجتثاث الشرّ الذي عمها وعقاب بني الجن على إفسادهم فيها" (القرني: الحقيقة الغائبة). فقتلوا منهم وطردوهم الى جزر البحار.

وذكر الطبري في تفسيره (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) حديثاً مقطوعاً في هذا السياق، حيث قال: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى بْنِ نُمَيْرٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " كَانَتِ الْمَلائِكَةُ تُقَاتِلُ الْجِنَّ ، فَسُبِيَ إِبْلِيسُ ، وَكَانَ صَغِيرًا ، فَكَانَ مَعَ الْمَلائِكَةِ فَتَعَبَّدَ مَعَهَا ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لآدَمَ سَجَدُوا ، فَأَبَى إِبْلِيسُ ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ سورة الكهف آية ٥٠ " .

وبهذا طرد ابليس من الجنة لرفضه للامر، وآدم لعدم التزامه بالامر فعصى ربه فقيل لهم جميعاً: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" بدأت حياة البشر على الارض، والله اعلم بتاريخ هذه البداية.

هذا والله اعلم ولا احد يعلو فوق علمه

اعلانات الموقع

 
© 2012. Design by Main-Blogger - Blogger Template and Blogging Stuff