علينا ان نؤمن بان الله قوي قادر على عباده، خلقهم كلهم ولم يُخلق هو، فلا ند له ولا شريك. ومهما وصلنا من علم فان فوق كل ذي علمٍ عليم، وموضوع الخلق طويل متشعب ولكن قبل الخوض فيه علينا ان ندرك ان العلم عند الله واننا بشر وان تحصيلنا محدود لا يقارن بعلم الله مهما وصلنا من فهم.
خلق الله اول ما خلق القلم وقيل العرش، لحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد" وصححه الألباني. وبعد القلم، الماء، ثم العرش ثم الخلق الله الملائكة ليحملوا العرش. قال الذهبي في كتاب العو :عن بعض المشيخة قال: أول ما خلق الله عرشه على الماء، وخلق الملائكة فقالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: لحمل عرشي، قالوا: ومن يقوى على ذلك؟ قال: فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فيحملكم. وبعدها خلق الله الارض ثم السماوات ثم والجن.
قال تعالى: "وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "{النَّازعات:30-31} قال ابن كثير في التفسير: 'إن الله ابتدأ بخلق الأرض أولاً، ثم خلق السموات سبعاً، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك'. ا.ه
أخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين مرفوعاً: "إن الماء خلق قبل العرش وروى السندي بأسانيد متعدده: إن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء."
قال تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ".
قال الطبري في تفسيره للآية في ما رواه:"عَنْ قَتَادَة : { وَالْجَانّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْل } وَهُوَ إِبْلِيس خُلِقَ قَبْل آدَم . وَإِنَّمَا خُلِقَ آدَم آخِر الْخَلْق , فَحَسَدَهُ عَدُوّ اللَّه إِبْلِيس عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ الْكَرَامَة , فَقَالَ : أَنَا نَارِيّ , وَهَذَا طِينِيّ , فَكَانَتْ السَّجْدَة لِآدَم وَالطَّاعَة لِلَّهِ ـ تَعَالَى ذِكْره"
اما قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"
والؤال هنا هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك كما ذكر اهل التفسر، قال ابن كثير في تفسيره: "وكأنهم (اي الملائكة) علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من "صلصال من حمأ مسنون" أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم قاله القرطبي . أو أنهم قاسوهم على من سبق"
وقوله "الذي يفصل الناس" قيتضي انهم سيظلمون انفسهم وسيحتاجون الى من يقودهم ويعلمهم ويحكم بينهم، وهذا الظلم اعظمه ظلم العبد لنفسه فلا يعبد الله عز وجل وثانيه ظلم العبد لغيره بارتكاب الجرائم وعليه فان اعظم هذه الجرائم الافساد في الارض وقتل الناس.
والوجه الآخر هو "أنهم قاسوهم على من سبق" اي ما سبق لهم علمه قبل خلق الانسان من مخلوقات، اي ما فعله الجن ببعضهم البعض، وهنا جمع ابن كثير اقوال المفسرين، اهمها ما قوله: "قال ابن جرير عن ابن عباس: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً قال: فبعث اللّه إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: {إني جاعل في الأرض خليفة}"
وعليه فان الجن كانوا اول من سكن في الارض، فعبدوا فيها الله عز وجل، الى ان طال عليهم الامد فعصوه وافسدوا في الارض وقتلوا وسفكوا وارتكبوا الجرائم وكفروا بانعم الله عز وجل. "فأمر الله جنوده من الملائكة بغزو الأرض لاجتثاث الشرّ الذي عمها وعقاب بني الجن على إفسادهم فيها" (القرني: الحقيقة الغائبة). فقتلوا منهم وطردوهم الى جزر البحار.
وذكر الطبري في تفسيره (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) حديثاً مقطوعاً في هذا السياق، حيث قال: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى بْنِ نُمَيْرٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " كَانَتِ الْمَلائِكَةُ تُقَاتِلُ الْجِنَّ ، فَسُبِيَ إِبْلِيسُ ، وَكَانَ صَغِيرًا ، فَكَانَ مَعَ الْمَلائِكَةِ فَتَعَبَّدَ مَعَهَا ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لآدَمَ سَجَدُوا ، فَأَبَى إِبْلِيسُ ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ سورة الكهف آية ٥٠ " .
وبهذا طرد ابليس من الجنة لرفضه للامر، وآدم لعدم التزامه بالامر فعصى ربه فقيل لهم جميعاً: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" بدأت حياة البشر على الارض، والله اعلم بتاريخ هذه البداية.
هذا والله اعلم ولا احد يعلو فوق علمه

























