22.10.13



20131023-122315 am.jpg

الافكار الصعبة تأخذ وقتاً طويلاً ليتم إستيعابها لأننا كبشر نكره التغيير ونحب إبقاء الأشياء على ماهي، لذا تجد الفرد منا غير قادر على تصور مستقبلٍ مغايرٍ لما يتعايش معه، فلا هو يريد ان يتغير ولا هو يريد ان يسمح بالتغيير ليحدث في مجتمعه. هنا تجد نفسك في معضلة كبيرة وخاصة اذا كنت تريد الترويج لافكار مختلفة عن النمطيات التي يتداولها "المثقفون" والاعلاميون والسياسيون.

في معظم كتاباتي اجد نفسي ادندن حول هذا الوتر، الا وهو التغيير والسبيل اليه، ولعل السبب هو طريقة تعايشي مع المجتمع الذي انتمي اليه، والذي يعاني من الكثير من المشاكل العميقة والمتأصلة في كونه عدو نفسه، ولكثرة ما أعانيه افضل احياناً أن لا اختلط كثيراً معهم خشية ان أتلوث بعقلياتهم الجاهلية وخشية أن يظن البعض بي مغروراً يرى نفسه المبعوث الرسمي لإنقاظهم مما هم فيه! ولكن لا مفر من اطلاق العنان لهذه الافكار من حين لاخر فلعلها تجد من يستوعبها ويبني عليها. فالتغيير كالبذرة الصغيرة التي يلقيها احدهم في ارضٍ خصبة فتجد من يرعاها ويسقيها لتنمو وتكبر وتزهر بالخير على المجتمع باسره.

لا يخفى على أحد أهمية دور الفرد في بناء مجتمعٍ صالحٍ قادر على انتاج حضارة تعم بالخير والامن والاستقرار، ولكن مهما كانت محاولات الفرد جادة وصادقة في نواياه للتأثير على مجتمعه فانه لن يصل الى غايته الا بالعمل المشترك مع بقية افراد مجتمعه. فالفرد والمجتمع نسيجٌ واحد لا يمكن فصل احدهم من الآخر، وعليه فلابد من تنسيقٍ عملي بين الفرد والمجتمع لتحديد اولوياتهم والتخطيط لاهدافهم. واسبيل الى هذا يكمن في تكوين جماعات صغيرة قابلة للنمو والانتشار، تحمل نفس الافكار الفردية وتسعى الى غاية معلومة وواضحة تحضى بعلاقة جيدة بينها وبين اعضائها من جهة وبينها وبين المجتمع من جهة أخرى.

في كتابه، ميلاد مجتمع، يوضح مالك بن نبي هذه العلاقة ويضع لها نظاماً متكوناً من عناصر ثلاثة:
- حركة يتسم بها المجموع الانساني .
- انتاج لاسباب هذه الحركة.
- تحديد لاتجاهها .

وعليه فإن هذه الجماعة الصغيرة تمهد الطريق لحراكٍ اجتماعي كبير، وتعد الخطط لانتاج هذا الحراك وتصيغ له اولوياته، وبعدها تدرس السبل لقيادة هذا الحراك لكي لا يخرج من اطاره ولا يكون فوضاوياً يضيع جهد المجتمع ويضعه في مشاكل كارثية.

فينظرته الثاقبة يعتبر بن نبي المجتمع كائناً متحركاً مدركاً لاهدافه ويطمح للوصول اليها بشكلٍ جماعي، ولولا هذه الرغبة الجماعية في النهوض والعمل فلا يمكن وصف جماعات الافراد بأنها مجتمع بل مجرد أشخاص لا تجمع بينهم الا الارض التي يعيشون عليها وربمى اللغة وبعض العادات والتقاليد، وهذه الجماعات السكانية التي لا هدف لها هي في الحقيقة كالمجتمعات البدائية في عصور ما قبل التاريخ حيث الهدف الاكبر هو الاكل والشرب واشباع الشهوات، بدون وجود اي هدف جماعي يوحدهم ويدفعهم للتعاون والعمل سوياً.

بالاضافة الى هذا، فإن المجتمع النشيط اما ان يرتقي بنفسه او يهلكها في طريقه الى غايته، وهنا مربط الفرس، فالثورات ما هي لا دفعة تنشيطية للمجتمع، لايقاظه والنهوض به، ولكن المجتمع ان لم يكن له قيادة حكيمة فإن الثورة التي ايقظته قد تقتله وتخمده للابد! وهكذا يكون امام المجتمع خيارات عديدة تصيغها الاحداث المتوالية عليه ولكنه لابد ان يختار، فإما ان يتحرك نحو هدفٍ ما او بعيداً عن خطرٍ ما. وهنا نعود لفكرة الجماعة القائدة للحراك حيث انه لابد منها لتجنب الفرقة وكثرة الصخب ولافكار المتضاربة.

ولكن ماذا لو قرر المجتمع ان لا يختار ولا يتحرك الى او بعيداً عن شيء ما؟ ماذا لو قرر البقاء في مكانه وان لا يغير اي شيء؟ في هذه الحالة يمكن اعتبار هذا المجتمع مجتمعاً في طريقه الى الانهيار والفناء الحتمي، و لتجنب هذا المصير، علينا العمل سوياً لبناء تاريخٍ مشرق نتركه للاجيال امقبلة من خلال التعامل مع العوامل التي تتحكم في صناعة التاريخ والتي ذكرها بن نبي في كتابه ايضاً:
- تأثير عالم الاشخاص
- تأثير عالم الافكار
- تأثير عالم الاشياء

اي ان التاريخ والحضارة التي تصنعه المجتمعات ما هي الا نتيجة للانسان المكافح الذي يقود مجتمعه الى بر الامان ويندمج فيه ويصلح فيه ما استطاع، يليه الفكرة الصائبة والعقليات المخططة للتغيير والابداع وبعدها تأتي المادة والقدرات العلمية والتي تجعل من الاحلام حقائق ملموسة.

مثال هذه العوالم الثلاث نجدها في كتب التاريخ القديم والحديث ولكن لناخذ مثالاً سهلا نوعاً ما؛ الهبوط على سطح القمر مثلاً، هذا الحدث التاريخي كان نتيجة للعمل الدؤوب الذي قامت به ناسا بعلمائها ومفكريها، ولكنه كان فكرة وحلماً وتحدياً بشرياً نطق به كندي مخاطباً بها شعبه، اضافة الى توفر المادة والعلم بها لما تحقق اي شيء. فناسا تتكون من إذاً من افراد وافكار ووسائل علمية تمكنهم من تحقيق اهدافهم.

وعليه فان السبيل لتغيير المجتمع يكون عبر هذه النقاط الثلاث:
١. توحيد الافراد نحو غاية واضحة لابد من الوصول اليها
٢. تواجد مجموعة مفكرة قادرة على معالجة المعلومات ووضع الخطط والاهداف
٣. توفر الامكانيات المادية والعلمية والخذ بالاسباب لتحقيق الغايات.

ولكن ليتحقق هذا، علينا ببناء الافراد القادرين على تحمل هذه المسؤليات أولاً باعادة برمجتهم وتطوير عقولهم ليدركوا انهم عمود المجتمع وان قدراتهم لا يمكن الاستغناء عنها، عبر تغيير الصفات البدائية للفرد من كائن مستهلكٍ كسول الى شخص جادٍ في عمله مخلص فيه مدركاً اهمية العمل في سبيل بناء مجتمعه الفاضل. ولعجزنا عن تحقيق هذافإننا نجد أن معظم اسباب تخلفنا تكمن في هذه النقطة وهي انعدام المسؤلية لدى الفرد وجهله او تجاهله لقيمته في سبيل بناء مجتمعه.

ولعل المشكلة تكمن ايضاً في عدم وجود شبكة قوية من الاحترام المتبادل بين افراد المجتمع. تخيل مثلاً أن خلايا جسمك تحارب بعضها البعض، غير مدركة لدورها الحقيقي في التعايش والتعاون بينها لبناء الاعضاء وترميم الجسد ومحاربة الامراض! لابد من ان هذا الخلل سيفتك بصاحبه إن لم يتدارك الامر ويتعالج بسرعة. ولكننا نعيش هذا التخبط بشكلٍ يومي في مجتمعاتنا ظناً منا بأننا قادرون على العقاء في اكتفاءٍ ذاتي بعيداً عن بقية اعضاء المجتمع وهذا مستحيل وخاصة لو اردت تغيير المجتمع وبنائه والحفاظ عليه للاجيال القادمة.

في واقعنا الاسلامي والعربي خاصة، نجد مجتمعاتنا تعاني لعقود بل لقرون من تفتت العلاقة بين المجتمع والفرد، حيث يعاني الفرد من ضعف علاقاته الفعالة والمأثرة في المجتمع لاسباب عديدة أهمها إحتقار الآخر والتقليل من شأنه وتسلط الاجيال السابقة على اللاحقة وعدم اعطاء فرصة للشباب بالإدلاء باصواتهم، وعليه فإنه من الضروري ايجاد حلول جدية لإعادة صياغة هذه العلاقة بالشكل الذي ينفع الفرد والمجتمع لدفع عجلة التقدم والنهوض بالامة.

إننا اليوم نعيش في مرحلة جديدة من الحراك الشبابي الصاعد، والراغب في التغيير الجذري لدوله، ولكنه سيصاب بالاحباط إن لم يتمكن من تثقيف وإعادة تربية المجتمع بأسره ليتأقلم ويتعلم اهمية العلاقات البشرية بين جميع ابناء الوطن من اجل الوصول الى النهضة المنشودة، ان هذه التربية الاجتماعية ليس لها اي وجود يذكر لا في مدارسنا ولا مساجدنا ولا منتدياتنا، فالكل يطبطب على الجرح ويضع عليه الضماضات بدون محاوله جادة لتطهيره ومعالجته. والحراك الشبابي نفسه يعاني من فقدانه لاهم مكوناته وهي العقول القادرة على قيادته ومعالجة مشاكله الداخلية. وعليه فلابد من ايجاد التوازن بين تربية الافراد لقيادة الامة وبين المجتمع ليتقبلوا التغيير ويثقوا بقياداتهم الجديدة.

إن المجتمعات الناعسة والكسولة لا تستحق الوجود ولا قيمة لها اذ انها فقدت رغبتها القتالية في البقاء وحل المشاكل التي تعانيها، كيف لامة تتجاهل عقول افرادها ان تثمر وتبني وتسابق غيرها؟ الانسان هو ذخر أي امة فبنائه وتربيته والاهتمام به يعني ان هذه الامة بخير إذ أن عقولها الفردية القادرة على الاستمرارية بخير.

نحن بحاجة ماسة لاستغلال مواردنا الكثيرة لمعالجة هذا الموضوع ومناقشته في جميع منابرنا بشكلٍ جاد بدلاً من المواضيع التقليدية المكررة، وإلا فإن المشكلة ستتضخم وسنفقد الامل في امكانية اعادة رسم وجودنا على هذا الكوكب كخير أمة أخرجت للناس، وذلك عبر ايجاد عوامل مشتركة توحد افراد المجتمع وتدفعهم بالايمان بأن أصوتهم مسموعة وجهدهم مشكور ولا فإننا سنكون أتعس حالاً من المجتمعات البدائية التي لا اثر لها ولا عين.

24.8.13



20130824-022213 PM.jpg

يومٌ آخر يمر على عالمنا الاسلامي ونحن كما كنا قبل سبعين سنة، لا جديد في الساحة الا المزيد من الفقر والمرض والحروب والمجاعات والجهل والجاهلية، والكثير من الحقد والعنصرية والإستبداد والظلم. ربما لو كانت دولنا تحت الاستعمار لكان حالنا افضل قليلاً فعلى الاقل لوجدنا من نضع عليه اللوم، فنحن لا ننفع ان نقود انفسنا الا الى التهلكة. ترى لماذا نحن بهذا الغباء؟

في نهاية الحرب العالمية الثانية، كتب الصحفي الروائي البريطاني الشهير جورج أورويل روايةً سماها 1984، يعرض أورويل في روايته هذه تصوراً مشؤماً، يحذير فيها من مستقبل مجهول المعالم، لا قيمة فيه للانسان ككائن حر، هذا السيناريو المستقبلي المخيف يتحدث عن انتشار الاشتراكية وتقسيم العالم الى ثلاث اقطار اشتراكية معادية لبعضها البعض، حيث الحرب بينهم لا تنقطع ويتم تسخير جميع مكتسبات الدول لا للانتصار في الحرب بل لاستمرارها الى مالا نهاية.

تتكون هذه الدولة الاشتراكية التي يعيش فيها بطل الرواية من مجتمعي طبقي بحت، طبقة الحزب الداخلي وهو الحزب الوحيد في الدولة ونسبة اعضائه تمثل ٢٪ من السكان الدولة، وطبقة الحزب الخارجي ونسبتها ١٣٪ من الشعب, وأخيراً الطبقة العامة، وفوق هذه الطبقات الثلاث يوجد الحاكم المسيطر الاوحد "الأخ الأكبر" الذي لا يرى ولا يشيخ ولا يموت، ويعرف كل صغيرة وكبيرة عن شعبه (الزعيم).

وكأن هذه الرواية تحكي حالنا اليوم، تحت القمع والاستبداد والحزب الاوحد الذي لا ند له! هنا تتحقق نبؤات الكاتب بشل ما، مع فرق شاسع في طريقة تعامل الحزب الاوحد مع المشككين فيه، حيث انه في الرواية لا يقتلهم ببساطة بل يغير عقولهم ويعيدهم الى ايمانهم بالحزب ثم يقتلهم بعد ان يقنعهم انهم يستحقون الموت حقاً لخيانتهم العظمى ولا يقتلون الا بعد تصديقهم بانهم حقاً خونة.

فكرة الأخ الأكبر في هذه الرواية تختلف عن غيرها، فهو ليس شخصاً بل نظام مستبد، لا يعاقب شعبه جسدياً بل فكرياً لان تغيير الافكار اصعب من القتل العشوائي، فالشعارات والثورات في ظل حكم الاخ الاكبر يتم التعامل معها بشكل مختلف تماماً، حيث يتم استدراج الناس للاعتقاد بان هناك مقاومة سرية للنظام وبعد وقوعهم في هذا الفخ يتم وضعهم في معسكرات لتطهير العقول، لدرجة التشكيك في كل شيء حتى يشك الشخص في عدد اصابع يده، هل هي اربعة ام خمسة!

وبعد هذا الاصلاح الفكري، يتم ترقية الضحية ووضعها في منصب مرموق في الدولة. هنا يوضح الكاتب اهمية الافكار وخطرها على الانظمة الاستبدادية، فلو نجحت مجموعة من الشعب في تنظيم نفسها ولو بشكل سري في التفكير والتشكيك في النظام فإن هذا بحد ذاته خطر على النظام ولو لم يقم هؤلاء باي عمل ثوري سوى التفكير.

ما اريد قوله هنا هو ان الثورات لا قيمة لها بدون تطهير فكري لشعوبها وبدون فلسفة راسخة تجمع هؤلاء الطامحين في التغيير، الثورة الفرنسية رغم عظمتها ونبل افكارها الا انها كانت بلا قيمة بالمقارنة بالعدد الهائل من القتلى، ومع هذا لم يتحقق منها شيء ملموس الا بعد ٢٠٠ سنة! فبين همجية الثوار والمحاكمات الدرامية التي تنتهي بالركوع تحت المقصلة وبين الجمهوريات الهشة والملكية المتعطشة للثأر يتضح ان لكل ثورة وقت معين يصلح لها ولشعبها ولا يمكن غصبها على المجتمع والا فستكون ردة فعل المجتمع كارثية.

والفكرة الثانية التي احاول ايصاله هنا هي ان النظم القمعية عادة تستنزف كل مكتسبات الوطن وثرواته للاستعداد وقمع اي ثورة قد تطيح بالنظام، ولذا تجد نوعية الاسلحة المكدسة في مخازن الانظمة العربية لا قيمة لها في حرب مفتوحة مع عدو خارجي ولكنها فعالة لقمع اي ثورة داخلية، مسلحةً كانت او سلمية. فالعدو الحقيقي للنظام هو الشعب.

الحاكم المستبد ماهو الا قناع يخفي النظام العميق المتشعب في كل اطراف الدولة، ولولا هذا النظام السرطاني لما صمد القناع. لذا مازلت اقول واكرر ما قلته في مطلع هذه الثورات العربية في ٢٠١١، لتنجح الثورة عليك ان تتخلى عن افكار عديدة، الثورة ليست كلمات رنانة بل خطة عملية فعالة، عبارة "الشعب يريد" لن تجدي نفعاً امام الدبابات والطائرات، لان ارادتك كشعب خطر على النظام، اذاً اذا الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يعمل لها ويخطط لها بشكل دقيق وعملي، لا ان يخرج ويصيح في الطرقات ليل نهار.

قد يزعج كلامي هذا بعض الناس، ولكن ما قيمة تغيير الحكام والرشوى والاختلاس والفساد الاخلاقي وظلم القضاء واستبداد الشرطة ما يزال قائماً كما كان قبل الثورة؟ التغيير الجذري ياخذ الكثير من الجهد والوقت، نحتاج الى سنوات وسنوات من الاصلاح الحقيقي للمجتمع لتغيير أفكار الامة باسرها شخصاً بعد شخص، من شارع الى شارع ومن قرية الى قرية حتى تتحول الأفكار الصعبة والشبه مستحيلة الى بديهيات، وحينها تصبح الثورة حقيقة ملموسة، بدون الحاجة الى وضع تاريخ لها او يومٍ وطني للاحتفال بها.

اظن ان بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم هي افضل مثال لما احاول ايصاله هنا، حيث جلس يدعو قومه بشكل سري في بيئةٍ سادت عليها الوثنيّة والجهل والظلم والاحتقار والطبقية والحميّة الجاهلية، وضاعت فيها معالم الانسانية واحترام حياة الآخر، وهذا تماماً ما نعيشه اليوم في عالمنا الاسلامي بدون استثناء. في هذه المرحلة من الدعوة السرية لم يكن أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - تجاه هذا الواقع سوى أن يؤجّل إعلان دعوته على المجتمع، ويكتفي بدعوة من حوله من الاقرباء سرّاً، حتى لا يكون الصدام العنيف مع الشعب المغيب في ظلمات الجاهلية.

استمرّ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدعوة السرّية أكثر من ثلاث سنوات، ظلّ فيها يعلّم اصحابه حقائق التوحيد بالله عز وجل، ويغرس معاني الإيمان ومكارم الأخلاق، وبهذا تمكن صلى الله عليه وسلم من اعداد النواة الصالحة لمجتمع جديد يقوم على التوحيد والمساواة والعدل. فما كان من هذه النواة الا ان اصبحت هي الطاقة الفاعلة من أجل التغيير المنشود، حيث اصبحوا هم سفراء للرسالة ودافعين عنها وعن قيمها.

وهنا يتضح الفرق بين التخطيط العملي والعاطفة الجياشة، بين الهمجية في اشعال الثورات وبين الدراسة والاعداد الفعلي، مثال هذا هو ما تعيشه مصر اليوم من انقلاب على رئيسها المدني الاول والمنتخب بشكل نزيه وحر، ما قام به اعدائه من حشد وتنسيق وتدبير، ورغم فساد تدبيرهم الا انه يستحق المتابعة، فلقد صبروا ودبروا وخططوا واعدوا العدة لعامٍ كامل وربما اكثر ولكن المهم هنا هو التروي والتخطيط والسرية في حشدهم وتآمرهم.

ومع هذا فإن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فمن يتدبر التاريخ يتضح له ان المظلوم قوي بصموده وعزة نفسه، لا يهزم ولو قتل وسحق وابيد، فالتاريخ يكتب الاحداث كما هي لا كما يريدها الجلاد، ومفهوم النصر ليس في وضع الرايات على مباني العدو وسحقه بل النصر الحقيقي هو بإكتساب قلوب الشعوب وترسيخهم للغاية المرجوة، هذا من جهة ومن الجهة الثانية فعلى المظلوم المطهد ان يدرك حقيقة قرآنية مهمة وهي قوله عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ" وقال ايضاً: "وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" فالمكر والتخطيط الفاسد مهما كان محكما وناجحاً بشلٍ عملي في الوهلة الاولى الا انه مكرٌ سيئ والمكر السيِّئ لا يحيق إلاَّ بأهله ولو بعد حين.

يقول الفيلسوف والناقد السلوفيني سلافوي جيجك في حديثه عن فلسفة الثورات؛ مشكلة الثورات هي انها بلا هدف حقيقي او اي خطة عملية مبرمجة للتعامل مع التغيرات التي تتبع قيام الثورة، ويرى جيجك ان الثورات ليست الا انذار بأن النظام ليس مرحباً به وأن هناك حاجة حقيقية للتغيير. ولكن الثورات لا تقدم اي حل عملي او اي تصور واضح للتغيير المطلوب. وعليه فإنه ينصح الثوار بان يتوقفوا عن العمل الميداني والخروج والتظاهر وأن يفكروا بشكل عميق لإعداد رُأية مستقبلية واضح للتدرج نحو التغيير المطلوب. ونصيحته الثانية هي العمل بروية وهدوء لتطبيق الخطط العملية الحكيمة التي يعدونها، ويأكد جيجك على أهمية التدرج في تحقيق التغيير المنشود بالتركيز على أشياء عملية يمكن تطبيقها.

كمجتمع شرقي معقد يبدو أن علينا سماع هذه الأفكار من فيلسوف غربي لنعرف سبب فشل ثوراتنا، فالطبقة الحاكمة ستظل تحكم حتى لو تغير القناع الذي يغطي هذا النظام، والظلم سيظل كما هو، والشباب المتحمس اليوم سيفقد الامل ويصاب بالاحباط لعدم وجود اهداف عملية لثوراتهم ولعدم وجود قيادات حكيمة تنصحهم وترشدهم الى ما يطمحون اليه من تغيير. ليس عيباً ان نعيد ترتيب افكارنا من الحين والآخر، ولكن العيب هو القيام بنفس الاخطاء و.توقع نتائج مختلفة.

25.6.13



20130625-105835 PM.jpg

مخيفٌ أن تحس بأنك الوحيد الذي يرى والبقية في بحرٍ من الظلمات! كما أنه متعبٌ أن تنسب الى شعبٍ لا تجمعك بهم الا لون البشرة الداكنة، وإسم الموطن!

صعبٌ أن تكون صومالياً مختلفَ الافكارِ عن شعبك، عن طقوس القبيلة، عن تقسيم الناس الى أعمامٍ وأخوال، أو أبناء عمٍ أو أبناء خال.

لا أريد أن أمثل إلا نفسي، لم يشتعل الشيب في رأسي كي يقولوا "إبننا فلان تاج القبيلة، يحمل ثلاث شهاداتٍ جامعية!"

لست منكم في شيء، دعوني وشأني، أعتز بوطني وأدعو الله أن يستبدلكم بخيرٍ منكم أو يبدل عقولكم لتصنفوا الناس كأشخاص لا كأعضاء قبيلة!

متعبٌ جداً تغيير الأفكار، لم أرد يوماً أن أكون جراح دماغ وأعصاب، أكره الدم، لذا إخترت الهندسة، أفضل نقش المباني وتقسيم المدن، ولكن لم أفكر يوماً أنني سأحتاج الى زراعة الافكار في العقول الجاهلية وتغيير هندستهم السلوكية وهدم عماراتهم القبلية الشنيعة المظهر والتي لا تخدم البيئة ولا الأجيال القادمة!

أعشق السماء، لونها يسكن الروح، كعلم أرضي، يريحني بتلك الزرقة الفاتحة، كطفلة تداعب لعبتها الجديدة، ولكن هذا العلم أصبح زيفاً، إنه خدعة، أُكذوبة نعيشها منذ عقدين من الزمن...

علينا أن نستبدله بعلمٍ أحمر، قاتمٍ كلون الدم الفاسد، وبدلاً من النجمة البيضاء الناصعة، علينا أن نستخدم خمس جماجم بشرية لأسرة صومالية، قتلت عندما رفض الأب التخلي عن أرضه لأن هذه ليست منطقة قبيلته، فكان عقابه أن تغتصب زوجته وإبنته ذات الاربعة عشرة ربيعاً أمام عينيه وهو مكبلٌ الى جدار المزرعة، ثم يقتل إبنه الأكبر بستة عشرة طلقة من الكلاشنكوف الجائع للموت، وتذبح إبنته ذات الثمانية أعوام كذبح الشاة بلا بسملة.. وبعدها يدفن حياً مع اسرته ليموت إختناقاً وحزناً على حاله.

علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا ونستخدم هذا العلم الجديد المقدس، ذو القماش الاحمر القاتم والجماجم الخمس، قد يكون بشعاً بعض الشيء، ولكن الصدق منجاة والكذب يقود صاحبه الى النار!

وأنا سأكون واقعياً أكثر، لم ألمس العلم الصومالي في حياتي، رغم عشقي له، ولكن هذا العام ساشتري واحداً من مدجر للحفلات والهدايا هنا في عاصمة الضباب، ساضعه في صندوقٍ صغير، وساقود سيارتي عشرين دقيقة نحو المقبرة وسادفنه هناك، بنية أن أسترجعه عندما يفيق شعبي من دوامة القبيلة وخزي الجاهلية الى نور العقل وسماحة الاسلام!

قال نور الدين فارح في لقاءٍ سجله في زيارته الأخيرة الى نيروبي ما معناه: "إن مشكلة الشعوب الافريقية هي أنها لا تزال تجهل كيف تنظر الى أنفسها كأشخاص ذو مشاعر وأفكار خاصة بهم، بل يصنفون أنفسهم كأعضاء لقبيلة أو لعرقٍ ما" الحل في نظره هو أن لا ننظر الى أنفسنا لا كأعضاء بل كأشخاص.

القبيلة أصبحت منجسةً بالكثير من الأفكار الإشتراكية، حيث لا شيء إسمه إنسان حر، الكل عبيدٌ بجماجم فارغة الا من إسم القبيلة، وأنا رغم أني لم أختر إسمي ولا موطني إلا أنني حرٌ أرفض أن أكون عبداً لأحد إلا لله رب العرش العظيم.

عذراً ولكني سئمت الكذب على نفيس!

23.6.13

*20130624-030823 AM.jpg


عندما توقظك احلامك من زيف الواقع
تجد نفسك داخل مرآه قديمة متسخة
تصارع نفسك
تقول:
يا نفسُ من أنا؟
أ أنا الواقع أم الواقع أنا؟
أ أنا واقعٌ متعثرٌ على صخرة واقفة فوق الوادي؟
أم ... أنا تلك الصخرةُ؟

‏سأنام اليوم واقفاً
لن أقع في زيف الخيال
لن أسمح لمعارك الذات أن توقظني
سأغلق عيني وأغفو
لن أرفع قدمي عن سطح الأرض
لن أجوب فضاء الخرافة
لن أحلُم بعد اليوم
لن اسمح للاحلام ان تغزل خيوطها حولي
لن اترك مخيلتي لتعثرني

ساكون واقعياً اكثر
حقيقي الوجود اكثر
ولن ابالي بالهلامياتِ
ولن أعبأ بالحنينياتِ
بالشوقياتِ
بالفراغات في صدري

محاولة أخرى للصمت
عن فهم الذات
للعويل بلا صوت
للبكاء بلا صوت
للدعاء بلا صوت

محاولة للخلود
في دوامة الظلام
واليأس المدقع
محاولة للتصالح مع الموت
محاولة نسج الاكفان
ودفن الذات

*الصورة لــ الفنان الإيراني مرتضى كاتوزيان

18.6.13



20130618-033657 PM.jpg


الحل هو في فهم المشكلة الصومالية:

لا يظن احد اننا سنبقى في الغربة ساعة واحدة لو ان وطننا يسمح بالعيش بسلام وبدون قبلية او عنصرية؟ مشكلتنت هي في اننا فعلا لا نعرف سر فشلنا في التعايش السلمي، فماذا نتوقع من غيرنا؟ ثم ان ما يحدث في الوطن من جرائم هو ابشع من ما حدث في جنوب افريقيا آلاف المرات، فاين التنديد بهم؟ نحن متحدون ضد غيرنا، ومتفرقون فيما بيننا!

لنتفق على ان بعض خيوط الحل بايدينا، اذا نبذنا السياسة القديمة واعطينا ولائنا للدين وللوطن ونسينا كلمة "قبيلة"، عودتُنا الى الوطن حلم كبير ولكن ما اريد قوله هو اننا بحاجة للتركيز في ما يمكن فعله هذا اليوم وهذا الاسبوع وهذا الشهر، لا ما سنفعله "إذا" عدنا للوطن..


وهنا نحتاج لفهم تاريخنا بحيادية، لسرد ما حدث لنا بكل انصاف وبكل موضوعية، وسنجد اننا فقدنا مقومات البقاء، لاننا لم نتصف بالتالي:

- وجود نازع روحي حقيقي، وهو الاسلام الوسطي والمعتدل بين الإفراط والتفريط.
-العدالة في كل انحاء الحياة ومعرفة الحقوق والواجبات
- وحدة الصف وعدم التنازع
-التمسك بمكارم الأخلاق والعادات والتقاليد الحميدة التي لا تتعارض مع الدين الحنيف.
- حكومة حكيمة تقوم على مبادئ سياسية حميدة، ودستور يرضي جميع الفئات، مبني على أهم هذه المبادئ السياسية:

أولاً: الشورى.
ثانيا: العدل.
ثالثًا: الحرية.
رابعًا: المساواة.

كل هذا كان مفقوداً في وطننا وما يزال هذا هو الحال، وبدل ان نفهم اننا نفتقر لمقومات الوجود نحاول عبثاً ان اصوب اصابع الاتهام الى غيرنا، لنتهرب من المسؤلية! بل ظننا في غفلتنا ان الحل هو في القبيلة والجشع وحب السلطة واحتقار الآخر، هذه هي اهم اسباب فقدان مقومات الوجود والنتيجة ما نعيشه اليوم. والحل هو معالجة الاسباب والنهضة ستكون مجرد تحصيل حاصل.

اسباب وحلول:

لكل شيء سبب، وسبب التعصب القبلي والجشع وحب السلطة وإحتقار الآخر هو الجهل وقصر النظر.. وحلهما هو العلم الحقيقي وطول النظرة المستقبلية... اجرينا هنا في المجموعة استفتاءً قديماً وكان السؤال:

ماهي اهم مشاكلنا كصوماليين؟، وكانت الاجابات كالتالي:

61% - الجهل
16% - غياب الضمير وضعف الاخلاق واندثار الوازع الديني
13% - الغباء
10% - القبلية
6% - القات

الجهل هو سبب كل المشاكل التي مرت وتمر بها بلادنا وهو سبب كل الصراعات التي مررنا بها، فلولا الجهل بقيمة الوطن لما هدرناه كرماد لا قيمة له. فالجهل كالخمر، من يصيبها يصيب غيرها من الكبائر، وبفضله انتشرت فينا القبلية والقات والقرصنة والتشدد واستغلال الدين لتبرير الجرائم وضاع الضمير واندثر الوازع الديني في القلوب.

الجهل عدو الصومال الاول، فاذا تم القضاء عليه تنتهي كل مشاكلنا بدون حاجة لحلها واحدة تلو الاخرى، فلا فائدة من معالجة الاعراض ولا داعي للعراك مع الثعبان، اقطع رأسه واسترح منه.

وهنا لا اقصد عندما اقول بازالة الجهل، لا اقصد بهذا حصد الشهادات الجامعية وجمع الكتب.. بل اعني به الفهم الحقيقي للامور، فكم من صاحب دكتوراة تجد فيه ابشع الجهل والجاهلية عندما يقول: "قبيلتي احسن من قبيلتك"! فتحس بالغثيان والاشمئزاز منه!

دواء الجهل والجاهلية:

١. علينا ان نؤمن بقيم ديننا كحل لمشاكلنا - وما عدى ذلك فهو جهل.

٢. علينا بالانصاف ونصرة الحق ولو ضد آبائنا واخوتنا - وما عدى ذلك فهو جهل
علينا ان ندرك ان وحدة الصف وفهم المصلحة العامة امرٌ لا غنى عنه وان التفرق والتحزب والتنازع سيذهب بريحنا وقوتنا.

٣. علينا ان ندرك ايضا ان من لا ماضي له لا مستقبل له، فنعتز بهويتنا الصومالية وتاريخنا العريق. فندرس تاريخ اجدادنا الذين حرروا الوطن من المستعمر ونتعرف على رموز القومية الصومالية.

٤. علينا اختيار من نجد فيهم هذه السمات ليقودونا لا ان نركض وراء زعماء القبائل واصحاب المصالح والجيوب الجشعة.

٥. وأخيراً، علينا ان ندرك اننا لو انتظرنا اعادة بناء الوطن، بدون ان نعيد إعمار عقولنا وبدون أن نبذل له الغالي والرخيص فهذا الحلم لن يتحقق وهذا المستقبل لن يكون حاضراً ابداً. نحن المستقبل والمستقبل هو اليوم، علينا ان لا ننتظر المستقبل بل علينا ان ننسجه بعروقنا ودمائنا، وهكذا تبنى الاوطان الامم.

20.5.13



20130520-110846 PM.jpg

يبكي عليك القلب وكل ما أملكه
ولكني
سواك حقاً لا أملك
يبكي عليك القلب والروح والجسد
وتبكي كل أحلامي معك
أغسلها صباح مساءٍ مع الندى
أُطهرها من رجسِ الغياب

أُنظر إليْ
هل ترى إلا السراب
وأشياءً من ماضٍ مقنع
ثم أُنظر الى الأشياء حولي
ماذا ترى؟
أعد البصر مرتين وخمسين ألف مرة
ثم أُنظر
ماذا ترى؟

أيامنا مذبوحةٌ على صخرةٍ فوق التلة
هل بُسملت؟
أحلامنا مشتتةٌ كغبارٍ في يومٍ عاصب
هل حُرمت؟
وطفولتنا ميتةٌ لا قبر لها
هل لُعنت؟
ومن لنا؟...

ارضنا؟...
حرقناها بدمائنا
وأغترفنا منها بجماجمنا لماء طهرنا
لصلاةٍ جامعة
فالله أكبر
فتراويحنا ليست كتراويحكم
وطفولتنا ليست كطفولتكم
وأحلامنا ليست كأحلامكم
وأيامنا ليست كأيامكم

هل أتعبتك؟
عندي الكثير من الأسى فاصطبر
قَالَ:
استمر
اني أُريد اليوم أن نبكي سوياً
ورتل الأبيات حتى يزول الضباب

قُلْتُ:
أترى السحاب؟ ….
في أرضي يمطر دماً
وكأنه عثمانُ مذبوحاً فوق مصحفه
وكانه الحسين يُقتل ألف مرة
ولكننا...
نحن الذين ذبحنا أنفسنا فوق مصاحفنا
نحن الذين بنينا كربلائنا بأيدينا
قطعنا العهود وبايعنا
ثم نكثنا وإنتحرنا

يا عاشقاً للنجم
لا نجم في أرضي
حتى النجوم مهاجراتٌ مواقعها
ومن هجرتها صنعنا مواعيد للموت
على سفاح جبالنا الشاهقة
جمعنا أرواحنا في حقائبنا
وما بين نهرينا وبحرينا إستدرنا للرحيل

يا باحثاً عن ربيع
لا ربيع في أرضي
نحن أنبتنا على أرضنا حدائق من جحيم
زهورنا شائكةٌ وكاأها السلاسل
مكهربةً بسم الضغينة
أشجارنا تنبت بالحقد وموتاً للعالمين
وحقولنا؟... حقولنا نارٌ تستعر
نحن أشعلنا اللظى في جنباتها فلا تبكي علينا

أتراك تسمع؟
إذا بكيتُ على موت الحقيقة
إذا سمعتَ عويل النائحات
وأرواح الطفولة

أتراك تشفق علي؟
إذا رايتني أبكي موتي
أُصارع الحقيقة
وأصوات العُروبة

إني آمنت أن الليل يُشعله النهارْ
فيا صغيري مت قرير الروح
فموتك نهارك الجميل
فلا جنة لنا هنا

19.5.13



20130520-011650 AM.jpg

يظن أهلنا الإنفصاليون في صومالي لاند (أرض الصومال) أننا جهلة وأننا لم نعش تلك الحقبة المظلمة من تاريخنا الصومالي الطويل تحت الإستبداد والظلم والتسلط السياسي والاجتماعي وحتى العسكري ومحاولات الإبادة الجماعية للقبائل المعارضة والرافضة للظلم. فيظنون أننا بسبب هذا الجهل نسخر من أحلامهم ونعتبرها غير مبررة، ويظنوننا في بعض الاحيان خونة إذ كيف يقول بعضنا لهم أننا من الشمال وأننا نرفض الإنفصال عن جسد الصومال المنهك بعد تقسيم الإستعمار له وزرع الخلافات فيه كي لا نتفق أبداً. كلامنا هذا بالنسبة لهم غير مبرر، واليهم أقول:

إننا نعلم جيداً تاريخ أُمتنا الصومالية ونعلم مدى التضحيات التي قدمها أبناء الشمال في سبيل توحيد ما يمكن توحيده من أرض الصومال الكبير والذي يمثل الأقاليم الخمسة الكبرى والممثلة بالنجمة الخماسية البيضاء في علمنا الازرق.

ولكن عندما لا تكون الوحدة مشروطة او عادلة فلابد من أن يظلم أحد الطرفين الآخر، والثقة كانت موجودة من الطرفين لا شك حين إتحدوا، ولا أظن أن أبناء الستينيات إحتقروا بعضهم كما نفعل اليوم تُجاه بعضنا البعض ولكنهم إحترموا مدى إيمان الآخر بالوحدة رغم أن الحظ لم يسعفهم. ولقد حدث ما حدث وتفاقم الأمر فلا نلوم أبناء الشمال في توحيد أرضهم تحت خريطة الاستعمار البريطاني وقبله الايطالي والتسمي باسم تلك الاقطاعية (British Somaliland) فتلكة أزمة فرضت هذا الحل ولكن الأزمة زالت والحمد لله الذي رفع عن الشمال والجنوب ظلم الظالم وفجوره وحقده على من يخالفه.

ولكن هذا لا يبرر الإستمرار في طريق البحث عن الإستقلال مع أني مؤمن بحرية اختيار المصير وأنه حقٌ محفوظٌ لا نزاع فيه، ولكن أليس بامكاننا أن نجرب ما لم يكن مطروحا من قبل؟ فإتحاد ١٩٦٠ كان بعد أيام من الاستقلال، ولا أظنه كان مدروساً بل هي العاطفة الجياشة والجري وراء الحلم الكبير وبعدها التهكم والاستغلال لتلك العاطفة. هنا نحن أمام نفس الهدف ولكن بدون عواطف، هنا طرحٌ عقلاني لما أظنه سيرضي الطرفين.

والحل في نظري هو عقد مؤتمرات للنقاش وللتوعية في داخل صومالي لاند، والسماح للأحزاب والجمعيات بأن تنشر أفكارها الإتحادية وتوضح للناس أنه في هذه المرة سوف لن نُخدع ولن نُظلم وسنتحد بشروط فدرالية واضحة، وأظن أن حرية التعبير محفوظة حسب ما يكفله دستور الشمال، فتغييب الفكرة والتكتم عليها وتجريم أصحابها ظلمٌ بحد ذاته يجب رفعه.

ثانياً طرح إستفتاء عام حر ونزيه (بعد خمس الى عشر سنوات) وتحت إشراف أممي للإستقلال-إن كان ولابد- ولكن بشرط أن يكون الإستفتاء منظماً بحسب المناطق والأقاليم في الشمال كي تقرر كل محافظة ما تريده وبدون ضغط او تهديد بالعنف من منظقة او جهة أخرى.

وبعدها إن قرر أهل الشمال العودةإالى الصومال فلهم أن يكونوا في حالة فدرالية مستقلة تمنحهم كل ما يتمتعون به الآن وفوق ذلك تكون الشراكة الوحيدة هي في الأجهزة الأمنية الداخلية و وزارة الخارجية والعسكرية وإدارة الإقتصاد الفدرالي وما عدى ذلك فيكون قابلا للحوار والأخذ والرد.

هناك أمثلة كثيرة على ما ذكرت ولكن فوق كل هذه الأمثلة علينا أن نثق ببعضنا وبقدراتنا الصومالية التي إن طُهرت من حقد الماضي تكون جاهزة لبناء حضارةٍ يفخر بها المسلمون في كل ارجاء العالم، فعلينا أن نعطي فرصة للشعب بشكل عام وللمثقفين الصوماليين فرصة للحوار بدون شحنات او كراهية جاهزة ومبرمجة تعادي للآخر، وهكذا نقرر مصيرنا كجيلٍ جديد سمع عن اتحاد الستينات وحرب الثمانينات والتسعينات ولم يعش من تاريخ الصومال الا بضع سنوات قليقة قبل الحرب او ربما لم يعش أياً من هذه الفترات ولكنه سمع عنها في إحدى الجلسات او من الأهل والأقارب، نحن من يستحق أن يقرر مصير هذه الأمة فدعونا لا نترك الأمر للسياسيين وأصحاب المصالح الخاصة كي يملوا علينا ما يريدون.

اخوكم
١٨.٥.٢٠١٣
م. محمد موسى
@mmuse1

11.5.13



20130511-122916 PM.jpg

كم من طائرٍ
ينظر نحو السماءِ
باحثاً عن رفيقه الذي...
وضع في قلبه
رسالةً لأُمه

أُماه إني قد كسرتُ جناحي
طرتُ ضد التارِ
مهاجراً عنكِ
فخارت قواي

أماه هذا موسم هجرةٍ آخر
وأنا ما زلتُ أفترش الترابَ
أنظر نحو السماءِ

أتخيلكِ...
تعتريني أبتسامةٌ عارية
مخللةً بذكرياتنا الجميلة
كستارةٍ تحتضن الضوء
تحبسها لنفسها

وانا أحبس افكاري لنفسي
بجمالها وبريقها
بصوتها الشجي
وبلونها الاخاذ

أنا يا حبيبة قلبي
عاشقٌ لكل شيءٍ فيكِ
قلبي يردد إسمكِ
أماه أنتِ... أهلي
عُشي
شجري
ظلي
ومائي العذب

أتخيلكِ...
فوق تلتكِ المفضلة
تنظرين نحو المضيقِ
باحثةً عن مهاجرٍ إليكِ
ولكن الساعات تمضي
والأيام ترحل
ولايزال حضنك فارغا

أُماه ليس هذا العامُ عامنا
ولكني قادم...
نحو جنوبك الدافئ
نحو ربيعه الابدي...

يوماً ما ستجمعنا الليالي
وسأحضن القلب الحزين
وسأبكي... أبكي
أبكي حباً لأرضي

لجباله وتلاله
لمضيقه وسهوله
ولكل الهائات فيه
لشتائه وربيعه
لخريفه أبكي
في صيفه
ولكل شيء فيه

أبكي العاشقين
تحت الرصاصِ
أبكي العذارى
أبكي خمارهن
المبتلة بماء الوجه
وأبكي طفلةً
تكسرت لعبتها
تحضنها.. تقبلها
أبكيهم جميعاً

أماه هذا موسم هجرةٍ آخر
وأنا ما زلتُ ابكي نفسي
وشوقي الابديَ لارضي

30.4.13



20130501-020515 AM.jpg


يا أنت يا شمس الظلام
يا إبتسامة السحر
يا نجمة لا تأفل
يا أنت يا وطن الحنين

إشتقت إلى روائح الاشياء فيك
عشبك الطري
المطرُ منهمراً على تربتك
السعادةُ في وجوه الطفولة

عطر أمي
رائحة خبزها
الحنان المنبعث من راحة أبي

هزيج العصافير
الفراشاتُ هائمةٍ حول الزهور
أوراق الشجر مُرتوية بالندى

شخبطة الطباشير على الجدران
قصص الجدات

اصوات التحفيظ: "وَ.. وَ.. قُلْ.. قُلْ..ربي.. ربي"
اسراب الحمام المشاكس
مداعبة الغمام للفلاح
ضرباته للأرض
إنبثاق النتة أمام عينيه

كبرياء النخيل
ظلها البارد
تجمعنا حول صحن الغداء
رسائل الاحبة المغلقة
رائحة البحر قبل المغيب
السمر حول المدفئة

سريري
جداره الازرق
الشمعة ملتهمةً ظلام الغرفة
و وجهي مغلقَ العينينِ
مبتسماً لأحلام الطفولة

وكثيرٌ من الأشياء
فتظل معنا
لتسكن القلب

24.4.13



20130424-110637 AM.jpg

قالت: "لا شيء لي في هذا الليل الطويل.. لا شيء"

قلت لها: لك الله...
وأُنس الحيارى...
وأنين العاشقين في نيسان
وحنينهم لترب أرضهم المقدسة

لك الله
وأوراق الياسمين
وعطر البنفسج
يهب راقصاً إليك مع النسيم

لك الله
وتاريخ أُمة ركعت
بعد طول قيام
لك أمجادها
عنفوان شبابها
وبريق أملٍ
يشق ظلام ليلك القاتم

لك الله..
ولكي.. كل شيءٍ جميل
لك السماء مزركشة بالنجوم
ولك ابتسامة طفلةٍ
تقلد مشيتك كظلٍ في الاصيل
تذاعبكي لتسرق إبتسامةً منك
في ليلٍ... طويل

اعلانات الموقع

 
© 2012. Design by Main-Blogger - Blogger Template and Blogging Stuff