24.3.13



20130325-014220.jpg
في الدارِ نافذةٌ..
تكبلها ستارةٌ
شفافةٌ... بيضاء
تتراقص مع الهواءِ
تحضن الجوَ
جلستُ أُناظِرها
مبعثرةً كالرمادِ
وكانها تاريخُ امةٍ
تصارع الموتَ

23.3.13



20130324-020810.jpg
من يغسل الدمَ
في الطرقاتِ
والشوارعِ
بين الازقةِ
وعلى الرصيفْ

من يغسل الدمَ
على اليدينِ
بين الأصابعِ
تحت الأظافرِ
وعلى الثيابْ

من يغسلُ الدمَ
فوق الرؤسِ
على الجباهِ
بين الجفون
وعلى الخدود

من يغسل الدم
على شواطئ أرضي
من يغسل الدم
بين نهري أرضي
من يغسل الدم
في أرض البخور


20130324-014719.jpg

ما عادَ ينفعُ..
نحيبكَ…
بين ذراعيهِ
الارضُ تحمله
وهوَ…
يحمِلكَ

ما عادَ ينفعُ..
أنينكَ…
في غيابه
قد هاجر الارضَ..
نحو اليونانِ…
لتجلده عبودية الزمنِ

ما عادَ يسمعُ..
ندائكَ…
قد اطرشه
صخبُ الحياةِ
وعويلُ احشائه
المتمزِقة..

ما عاد يبكي
الا وحده
في كوخه الرثْ ال..
عتيق…
يغسلُ جبينه
بمطرٍ أسود

لا موت بعد اليوم..
يا ميتاً...
والقلب ينبضُ
يا طينة الأبنوسْ
لا مجدَ لك
فاخضع لجلادك

او.. اضرب الارضَ
بشقك الايمن
وسدِ الرأس بالساعد
والتحف نفسكَ
وضمم الساقينِ اليك
ومت.. قبل شروق فجرٍ آخر..


20130323-164613.jpg

يا أنتَ..
يا زُرقةَ السماءِ
وبياض السُحبْ
يا كلَّ الذين تركتهم..
يا جمال الكونِ..
يا إنتصار الروحِ... على الجسد
يا لُجةَ الشوقْ


يا فُرقةَ القلب للأحشاء
يا تربةً لم اسجد عليها.. بعدُ
يا لهيب الشمسِ.. على العاتقْ
يا ارتفاعَ جبيني نحو نجمِكَ
يا رائحة العشبِ الطري
يا صباحاً اغرقه الندى
يا موطني...


لك في القلوبٍ محبةٌ
وعناقِدٌ من شجن
تركتُ فيك بعض طفولتي
وبرائتي
وجنوني
تركتُ فيك بعضاً من الروحِ
واخذتُ انا الجسدْ


إنّي وهَبتُكَ كلَّ شيءٍ
حقيبتيَ المدرسيةَ
قُن دجاجتنا
صوصيّها
كيسيَ البلاستيكي
صورتنا الجماعيةَ
والعابيَ المتكسرة


وهجرتك حافي القدمين
عاري الرأسِ.. الا منكَ
باحثاً عن حياةٍ لميتٍ مثلي
تائهاً في غربِ أوربا
خانِعاً لسجنيَ الوهمي
لتمر الفصولُ مرورَ الساعاتِ
والسنينُ مرور الايام


وكطائرٍ شمالي المَنشئ
اشتاقُ كل عامٍ
الى هجرةٍ نحو الجنوبِ.. نحوكَ
ولكني هدهدٌ اثقلته أنباؤك
وتكسرت اجنحته في طريقه اليك
فما عاد يقدِرُ
الا ان يسافِرَ عنكَ

9.3.13



20130309-192203.jpg

يخرج احدنا الى نور السماء باحثاً عن كل شيء، عن اسمه، عن امه، عن معطفٍ يقيه برودة الحياة، عن سيدة تجلب معها الى قلبه بعض الدفئ. ومع هذا البحث المضني يقف الشخص مع نفسه وقفات عميقة تجعلة يستفسر عن ثلاثة اشياء: من اين اتى واين هو الآن والى اين يسير.

فلا يجد الا اجابتين من اصل ثلاثة، فيستمر في بحثة وسيرة الى ان يتوفاه ملك الموت وحينها فقط يمتلك الاجابات المطلوبة. في هذه الرحلة الازلية تعلمت اشياء كثيرة لا يمكنني صياغتها بتمهل وبالتسلسل المطلوب حيث انها ثقيلة صعبة الفهم حتى علي ولكني ارجو من سردها ان تعين احداً ما في رحلته الطويلة لفهم الحياة. فاليكم ما تعلمته حتى الآن:

الحياةُ معتقدٌ شخصي، خليطٌ من حبالِ افكارٍ متشابكة، اربعون الف فكرة في ساعةٍ واحدة، ولا نذكر منها الا القليل..

لتكون سعيداً عليك ان تحرق كل افكارك على درجة حرارةٍ تعادل ال٢٠٠ درجة مئوية.. ثم صِغ حياتك على مكثٍ ولا تجزع.

الحياةٌ تقوم على اربعة اركان، اقرارٌ داخلي، عملٌ مخلص، ترسيخ للخير، وصبرٌ عميقٌ بلا حدود.

اما لاقرار، فهو ايمانك بنفسك وبقدراتك، انه ادراكك بماهِيتك وبحدودك واهدافك، واما الثلاثة الاخرى، فكن فيها كالمزارع، احرث ارضك خيراً، وصبر على الفصول الاربعة، ولن يخيب الله ظنك، وستحصد ما زرعت ولو بعد حين.

كن كعود الخيزران، لا تسمح بالرياح ان تكسرك، لا تقاومها، بل سايسها وتمايل معها، ولكن… اعلم ان لك جذوراً في قلب الارض، ولست ورقة توتٍ خريفية.

استسلامك في مواقف الضعفِ شجاعةٌ بحد ذاتها، ان تحفظ راسك لتستخدمه بشكلٍ افضل في المرة القادمة خيرٌ لك من ان تلقي به الى التهلكة في موقف طفولي وبشكلٍ ارعن.

سل نفسك، ماذا تجني من عملك تحت الشمس؟ يرحل جيل وياتي آخر والارض على حالها، والشمس مشرقة او مغربة، والرياح ذاهبةٌ شمالاً او قادمة الى الجنوب. وكذلك الانهار، تسبح الى البحر، فلا هي تتوقف عن السباحة ولا البحر غارقٌ بمائها.

كل الاشياء جميلة ولو لم نفهمه، العين تصيغ لنفسها لغتها الخاصة والاذن ترسم اصواتها كما تريد، كل ما كان سيكون، وكل ما تم، سيتم مرة اخرى، لا جديد تحت الشمس.

ما تم كسره لا يمكن جبرة الا بعناء، وما ضاع لا يمكن عده الا بعد ايجاده، لا تجري خلف الرياح ولا خلف احلام الصبا، انت ابن هذه اللحظة فاغتنمها.

الحكمة ادراكٌ للاشياء على حقيقتها ليس على ما تهواه انت..

لكل شيء تحت السماء موسم ووقت، وقتٌ للحياة ووقتٌ للموت، وقتٌ للزراعة ووقتٌ للحصيد، وقتٌ للمرض ووقتٌ للشفاء، وقتٌ للضحك ووقتٌ للبكاء، وقتٌ للحب ووقتٌ للكراهية، فلا تخلط بين الاشياء وعلم ان بعد كل عسرٍ يسرين.

في كل الاحياء امل، كلبٌ حي افضل من اسدٍ ميت، الاحياء يعرفون انهم سيموتون، ولكن الاموات لا يعرفون اي شيء... الاحياء يهدمون ويبنون، يزرعون ويحصدون، يحبون وينجبون، اما الاموات فليس لهم الا التراب.

2.2.13



20130202-225104.jpg

قامت الحضارة الاوروبية على اعتقاد لا يمكن وصفه بالانساني، قامت على فكرة الخلاص، بكل بشاعات هذا الخلاص، من مطاردةٍ وقبضٍ ثم صلبٍ مزعوم على خشبتين عملاقتين وبمسامير طويلة تخترق اطراف الضحية. ثم يعلق على باب المدينة ليجف دمه من كل السوائل، وبعد وفاته لم يكتفوا بتركه في قبره بل زعموا انه خرج واظهر لهم جروحه وفراغات جسده وبعدها وبكل بساطة يرحل صاعداً الى السماء. ولكن هذه الجريمة المزعومة ضد عيسى عليه السلام والتي -كمسلم- لا اؤمن بها (لان الله يقول: "وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم") هي ما فتح الباب للمسيحيين بحرق وصلب كل من وقف ضد دينهم او شكك فيه، وذلك من القرن الرابع الى القرن العشرين بل وحتي يومنا هذا ولكن بحروب وحروق اكثر ذكاءً.

في القرن الرابع انتشرت المسيحية الى آسيا الصغرى وبها غزت اوروبا وعاصمتها روما، فحرقوا كتب الرومان وآلهتم ودمروا معابدهم ووضعوا الناس للسيف وصلبوا كل من رفض هذا الدين، وجعلوا المسيحية دين الدولة وما عداها فهو محرمٌ يوجب القتل. وهكذا تم مسح آثارٍ رومانيةٍ كثيرة ولم تنجو منها لا ما تم اخفائه او تسريبه خارج هذه البلاد. بعد اعوام، وصل هذا الدين الى مصر وفُعل بالاسكندرية ما فعل بغيرها من المدن ولكن هذه الجرائم وصلت ذروتها في عام ٣٨٥م في اول جريمةِ حرقٍ لإنسان حي بجريمة "الكفر".

وصل هذا التفكير الإجرامي الى قرطاج بعد ست سنوات من جرائم الاسكندرية فحرقوا ودمروا المعابد وقتلوا وحرقوا الكثير من الوثنيين "الكفار" في داخل هذه المعابد. وبعد ما يقارب من العقدين من الزمن تفشى هذا الفكر الفاشي فلم يعد للوثنيين ملاذ الا اعتناق هذا الدين والتسليم لرجلٍ مصلوب على خشبة بدل ان يصلبوا هم كما حدث للكثيرين في روما والاسكندرية وقرطاج وغيرها.

في سنة ٤١٥م قام "الثوار المؤمنون" بافكار الخلاص، قاموا بمهاجمة وقتل هيباثيا الاسكندرية، كانت هيباثيا فيلسوفة وباحثة في علوم افلاطون الحديثة وكانت سيدة عصرها في الحساب وعلم الفلك، كانت تؤمن بالبحث الرياضي والمنطقي للوصول الى حقيقة الاشياء بدلاً من البحث التجريبي. بحسب هؤلاء الغوغاء كانت جريمتها ممارسة السحر والشعوذة والالحاد. فجروها من شعرها في شوارع الاسكندرية، جردوها من ملابسها وربطوها بالحبال وضلوا يجرونها حتى سلخت الارض جلدها، وبعد موتها البشع لم يكتفوا بترك جثتها او دفنها، بل اعدوا لها كومة من الاخشاب والقوها فيها ثم اشعلوا فيها النار.

وبقتلهم لهيباثيا تم الخلاص من الفلاسفة "الكفار"، اذ انهم فروا بارواحهم الى بلاد فارس والهند وأغلقت ابواب مدرسة اثينا في الاسكندرية، وبهذا اندحرت الاسكندرية كعاصمة للعلم واصبحت عاصمة للفاشية وجرائم الصليب. حمل هؤلاء العلماء الفاريين من الاسكندرية وغيرها معهم اهم كتب عصرهم في الحساب والفلك والهندسة والطب واحتفظوا بها وعلموها لطلابهم حتى وصل اليهم المسلمون وترجموها للعربية واستفادوا منها وطوروها. في الوقت الذي كانت اوروبا غارقة في بحر من الخلاص الدموي بعد ان حرقوا كل الكتب العلمية، واصبح العلم محسوراً على الكنيسة حتى انهم حرقوا كل من شكك ولو مازحاً في الكنيسة وتعاليمها.

اما جرائم مسيحيي القرون الوسطى فحدِث ولا حرج، من محارق جماعية الى ذبح في الشوارع كما حدث في جنوب فرنسى باسم المسيح وخاصة في عام ١٢٠٩م عندما امر البابا انونسنت الثالث باطلاق حملة ضد البيجان وتم ذبح ٧٠٠٠ شخص في كنيسة مادلين وحدها، وبعد عامين جريمة كبرى في ستراسبرغ تم فيها حرق العديد من "الكفار" احياء. وبعد واحد وثلاثين سنة تبدا محاكم التفتيش لتطهير المجتمع من "المنافقين" والمندسين واعداء الكنيسة.

وبعد قرن من هذا الجهل، يضرب الطاعون الاسود اوروبا ولا خلاص لهم لان الكنيسة حرمت الطب لانه من الشعوذة والكفر وبهذا مات ثلث سكان اوروبا. والمفارقة المضحكة المبكية هي انهم وضعوا كل اللوم على اليهود لانهم -وبحسب الكنيسة- قاموا بسحر كبير استخدموا فيه نوعاً من الثعابين السوداء الضخمة تسمى الباسيلسك (Basilisk) فصنعوا منها سماً فتاكاً وضعوه في مياه الشرب في الانهار والآبار، واعتبروهم المسؤل الوحيد لموت ملايين البشر فما كان من عشاق الخلاص الا ان تخلصوا من اليهود بطريقتهم المعتادة، الا وهي الحرق.

قال المؤرخ نورمان كانتون في كتابه 'في اعقاب الطاعون': "أُحرِق اليهود على طول الطريق الساحلي من البحر المتوسط الى المانيا... تحت وطاة التعذب حتى يعترفوا بكيفية نشرهم للطاعون وكيف خلطوا السم في الآبار وكيف صنعوه من جلد البزيليسق (الثعبان الاسطوري الذي ذكرته مسبقاً)". فيال سخرية الايام عندما ياتي هؤلاء واتباعهم ليعلمونا الانسانية وحقوق البشر.



20130202-225224.jpg

ثم ندخل في القرن الخامس عشر والقتل بالجملة، وخاصة بعد سقوط الاندلس وحرق المسلمين واليهود ومحاكم التفتيش والتعذب بآلاتٍ لم يشهدها التاريخ من قبل. حتى انه وبعد مرور اربعة قرون من سقوط الاندلس وتحديدا في عام ١٨٠٨م ارسل نابليون جنود الى اسبانيا فوجدوا فيها اقبح صور الاجرام في ما كان يعرف بقاعات التعذيب والتي كانت معظمها في الطوابق الارضية للكنيسة وتحت سجاداتها الفاخرة المقدسة.

وجد جنود نابليون سجونا ارضية وغرفاً معدنية لا تكفي لطفلٍ في العاشرة يوضع فيها السجين حتى يموت، وجدوا كياكل عظامٍ مازالت في قيودها وبشاعات، وجدوا اجهزة لسلخ الجلد واخرى لتكسير العظام وخلع الاظافر وكثير منما يقشعر له الجسد ولا يمكنني نقلها حفاظاً على انسانيتي. اما القرون ال١٦ و ال١٧ فلا تختلف عن غيرها من حرق للعلماء بتهمة السحر واستبداد وتوزيع لسكوك الغفران، وتستمر فكرة الخلاص على هذا الحال الى عامي ١٧٨٢م وحرق انا جولدي بجريمة السحر في سويسرا، وحرق باربرا زديونك في بولندا عام ١٨١١م.

وبعدها دخلنا في الحروب العالمية ونظرية نيتشي "السوبر مان" وافكار هتلر ومن معه بالخلاص من كل من يخالف دينهم وعرقهم بالحرق وجعلهم قرباناً للصليب لانهم كفروا برجل تم تثبيت اطرافه على خشبة ضخمة وبمسامير طويلة ورأسه يميل الى اليمين قليلاً. لا يمكن ان نتوقع اقل من هذه الدرجة العريقة من الاجرام من دين يروض ابنائة على ان العنف رحمة، وان المسيح مات لخلاص البشر، فكيف لجريمة كهذه ان تخلص البشر؟

اذاً أليس من السُخف ان نحاول مقارنة دينا مع دينهم ونتبجح على انفسنا بسرد بعض الافعال الاجرامية التي رغم بشاعتها لا يمكن لعاقل ان يقارنها بما ذكره المؤرخون من وقائع لا يمكن انكاره على يد المخلصين؟، ولانني اود ان اكون محايداً رغم استحالة ذلك لم اذكر ما فعلوه في حروبهم الصليبية لبشاعة احداثها ولانني ارجو ان تكون كلماتي تحفيزاً لقراءة تاريخ تلك الحقبة السوداء من تاريخنا الاسلامي.

ان كان هناك دين فاشي فهو ليس الاسلام ولا الثقافة الاسلامية مهما قِيل عنها، والارقام تشهد بذلك. ولكن ما استغرب منه هو سطحية البعض في سرد ادلتهم على فاشية الاسلام حيث يقولون ان فلان قتل وعلان حرق ويجعلون الامور شخصية بحتة ونحن نحاول محاورتهم بمقارنة هذا المجتمع بذاك، هل كان المجتمع الاسلامي يمارس هذه الطقوس ويؤمن بها ام ان بعض الحكام تجاوز الدين الى رغباتهم الشيطانية في الانتقام من معارضيهم؟

والاعجب من ذلك قولهم ان العرب في الجاهلية لم يمارسوا التعذيب، اذاً ما قيمة الاسلام ولماذا جاء لمجتمع حضاري راقٍ يحترم حقوق الانسان؟ وذكروا ايضاً ان التعذيب بعد الاسلام في مكة كان للعبيد فقط! وهنا تتضح عقلية الجهل المركب، هل كان عمار بن ياسر وبأبيه وأمه عبيداً عندما كانت قريش تعذبهم برمضاء مكة وهم بعد ان يلبسوهم ادرعة الحرب الحديدية؟ وان لم تقنعك هذه فانظر الى تفسير قوله تعالى: "مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [النحل: ١٠٦]. وقال ايضاً: "ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" [النحل: ١١٠] فان لم تكن قريش تعذب الحر قبل العبد والتاجر قبل الفقير فلماذا الهجرة اصلاً؟

والمضحك المحزن قولهم ان الخطاب الديني الاسلامي خطابٌ ارهابي ودليلهم على هذا اجزاء من اسماء كتب وزعموا انها اسماءٌ مرعبة. يالها من سطحية! وتجد صاحب هذه النظرية "الاسلام دين جريمة" يفتقر الى اي دليل نصي او تاريخي وكل ما يعتمد عليه هي افكار لشخصيات غير محايدة كهادي العلوي وغيره من الماركسيين الملحدين الذين يكرهون الاسلام ولا يؤمنون به فيضعون افكارهم تحت سطور منمقة لتشويه الاسلام.

وعليه فاننا نحتاج للموضوعية بشكلٍ اكبر لفهم ديننا والدفاع عنه بالتي هي احسن لا بالهروب عنه ومهاجمته في كل حين. قد لا نختلف في ان الاسلام دين تسامح ولكن نختلف في محاولة مقارنة جرائم المجتمع الاسلامي بالمجتمعات الغربية وتجريم المسلمين جميعهم بسبب افعال شرذمة منهم، نختلف ايضا في عدم موضوعيتنا في سرد الاحداث التاريخية، فالمصدر النجس لا يمكنه ان يعطيكم معلومات طاهرة بل سينجس عقلك ويشكك في دينك.

1.2.13



20130201-165407.jpg

علينا ان نؤمن بان الله قوي قادر على عباده، خلقهم كلهم ولم يُخلق هو، فلا ند له ولا شريك. ومهما وصلنا من علم فان فوق كل ذي علمٍ عليم، وموضوع الخلق طويل متشعب ولكن قبل الخوض فيه علينا ان ندرك ان العلم عند الله واننا بشر وان تحصيلنا محدود لا يقارن بعلم الله مهما وصلنا من فهم.

خلق الله اول ما خلق القلم وقيل العرش، لحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد" وصححه الألباني. وبعد القلم، الماء، ثم العرش ثم الخلق الله الملائكة ليحملوا العرش. قال الذهبي في كتاب العو :عن بعض المشيخة قال: أول ما خلق الله عرشه على الماء، وخلق الملائكة فقالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: لحمل عرشي، قالوا: ومن يقوى على ذلك؟ قال: فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فيحملكم. وبعدها خلق الله الارض ثم السماوات ثم والجن.

قال تعالى: "وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا "{النَّازعات:30-31} قال ابن كثير في التفسير: 'إن الله ابتدأ بخلق الأرض أولاً، ثم خلق السموات سبعاً، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك'. ا.ه

أخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين مرفوعاً: "إن الماء خلق قبل العرش وروى السندي بأسانيد متعدده: إن الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء."

قال تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ".

قال الطبري في تفسيره للآية في ما رواه:"عَنْ قَتَادَة : { وَالْجَانّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْل } وَهُوَ إِبْلِيس خُلِقَ قَبْل آدَم . وَإِنَّمَا خُلِقَ آدَم آخِر الْخَلْق , فَحَسَدَهُ عَدُوّ اللَّه إِبْلِيس عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ الْكَرَامَة , فَقَالَ : أَنَا نَارِيّ , وَهَذَا طِينِيّ , فَكَانَتْ السَّجْدَة لِآدَم وَالطَّاعَة لِلَّهِ ـ تَعَالَى ذِكْره"

اما قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"

والؤال هنا هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك كما ذكر اهل التفسر، قال ابن كثير في تفسيره: "وكأنهم (اي الملائكة) علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من "صلصال من حمأ مسنون" أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم قاله القرطبي . أو أنهم قاسوهم على من سبق"

وقوله "الذي يفصل الناس" قيتضي انهم سيظلمون انفسهم وسيحتاجون الى من يقودهم ويعلمهم ويحكم بينهم، وهذا الظلم اعظمه ظلم العبد لنفسه فلا يعبد الله عز وجل وثانيه ظلم العبد لغيره بارتكاب الجرائم وعليه فان اعظم هذه الجرائم الافساد في الارض وقتل الناس.

والوجه الآخر هو "أنهم قاسوهم على من سبق" اي ما سبق لهم علمه قبل خلق الانسان من مخلوقات، اي ما فعله الجن ببعضهم البعض، وهنا جمع ابن كثير اقوال المفسرين، اهمها ما قوله: "قال ابن جرير عن ابن عباس: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً قال: فبعث اللّه إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: {إني جاعل في الأرض خليفة}"

وعليه فان الجن كانوا اول من سكن في الارض، فعبدوا فيها الله عز وجل، الى ان طال عليهم الامد فعصوه وافسدوا في الارض وقتلوا وسفكوا وارتكبوا الجرائم وكفروا بانعم الله عز وجل. "فأمر الله جنوده من الملائكة بغزو الأرض لاجتثاث الشرّ الذي عمها وعقاب بني الجن على إفسادهم فيها" (القرني: الحقيقة الغائبة). فقتلوا منهم وطردوهم الى جزر البحار.

وذكر الطبري في تفسيره (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) حديثاً مقطوعاً في هذا السياق، حيث قال: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى بْنِ نُمَيْرٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " كَانَتِ الْمَلائِكَةُ تُقَاتِلُ الْجِنَّ ، فَسُبِيَ إِبْلِيسُ ، وَكَانَ صَغِيرًا ، فَكَانَ مَعَ الْمَلائِكَةِ فَتَعَبَّدَ مَعَهَا ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لآدَمَ سَجَدُوا ، فَأَبَى إِبْلِيسُ ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ سورة الكهف آية ٥٠ " .

وبهذا طرد ابليس من الجنة لرفضه للامر، وآدم لعدم التزامه بالامر فعصى ربه فقيل لهم جميعاً: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" بدأت حياة البشر على الارض، والله اعلم بتاريخ هذه البداية.

هذا والله اعلم ولا احد يعلو فوق علمه

30.1.13

pray

لا نهضة بلا قيم ولا قيم بلا دين، ورغم انه من الممكن انجاز نهضة اقتصادية بدون دين الا ان هذا لا يسمى نهضة بل يسمى نمواً اقتصادياً، وهذا النمو لن يدوم لانه ليس مبنياً على قيمٍ صحيحة تؤمن بان الله فوق عباده رقيب عليهم، ولا شك اذاً ان الفساد سيعم وان الطبقية ستحل محل المساواة وان العدالة ستنفذ ولكن على حسب حسابك المصرفي وحجم بيتك او بالاحرى قصرك. وهذا هو الحال في كل دول العالم، غنيها وفقيرها، مسلمها وكافرها، فالجشع لا يعرف لوناً او ديناً.

لذا نحتاج الى وسيلةٍ تطهيريةٍ لتغير هذا الحال، ولكن الناس اصبحوا اكثر جموداً من ذي قبل، فهم يرفضون فكرة الاصلاح من الداخل، اي اصلاح الشخص لنفسه قبل غيره. ولان هناك ثغرة كبيرة بين النخب المستنيرة والشارع، ولا يهم ان كانت هذه النخبة متدينة ام لا، المهم انها فقدت القدرة على التواصل مع المواطن العادي، وذلك لان النخبة تريد تغيير المجتمع من اعلى الهرم، بالثورات والاعتصامات والانقلابات، وهذا لا يزيد الطين الا بلاة، اذ ان الثورة ما هي الا كمن يبحر في بحر عاصف بلا اشرعة ولا سارية فلا تدري اين سترمي به الريح.

الانسان روح وجسد، ومنذ ان سافر العرب الى اوروبا قبيل الحرب العالمية وهم فقدوا قدرتهم على تغيير انفسهم لانهم عادوا الى ديارهم غير مهتميين بالجانب الروحي من شخصيتهم. واقتنعوا بانهم حقاً اغبياء متخلفون، لا خير فيهم ولا في دينهم. وهذا الاحباط الشخصي، وسلب الانسان نفسه من كل ما يملك من عزة وكرامة تجعله مفعولاً به في جملة امرية او نهيية تصلة من عواصم العالم الغربي، فيسجد ويطيع.

هذه الفجوة الفكرية، بل هذا الانتحار الفكري هو السبب في تخلفنا عن العالم الخارجي. انظر الى اليابان مثلاً، كانوا في عزلة عن العالم الخارجي لقرون عدة، فحين لم يقدروا على مقاومة العولمة، ارسلوا خيرة شبابهم المحب لارضه وتقاليد اسلافه الى الغرب، لكي يتعلم علومهم، فعادوا واصبحوا معلمين وبنوا نهضة ستظل للابد درساً للبشرية. ومع هذا تجدهم متمسكين من صغيرهم الى كبيرهم بتعاليم ثقافتهم ومعتقدات اديانهم.

ما اريد طرحه هنا هو ان القيم هي اساس الحضارات، فلن تكون لنا قائمة ونحن نريد سلخ جلودنا وارتداء جلود جاهزة صنعت لغيرنا، اذاً الثورة المطلوبة هي ثورة اخلاقية للتمسك بمعتقداتنا، انها تلك النظرية التي تقول انك اذا تمكنت من تغيير سلوك فرد واحد يمكنك ان تغير سلوك اهله ومجتمعه ثم دولته، وهذه النظرية تقوم على الاهتمام الاخلاق كهدف اساسي لتغيير الامم. علينا كامة مسلمة ان نستخدم هذه النظرية للوصول الى نهضة أخلاقية تكون اساساً لنهضتنا الاقتصادية.

على الفرد ان يجد في روحه ما يحفزه لتغيير نفسه وسلوكه، ولا يمكنني ان اقترح وسيلة افضل لتغيير الذات والمجتمع من "الصلاة". ولا اعني بها الحركات السريعة الفاقدة لكل معاني الصلاة، بل اعني صلاة تغسل الروح من كل قيم الشر فيها. صلاةً بكل شروطها واركانها وسننها ونوافلها. صلاةً تتحد فيها الصفوف فلا تتفرق ولا تنعوج ولا تتسع لإبليس وتلبيساته، صلاةً تصلح ما افسدناه بذنوبنا تجاه ربنا واتجاه انفسنا ومجتمعنا.

ورغم كثرة المصلين في المساجد الا ان مجتمعاتنا تقبع في برك من الفساد الاخلاقي، فتجد الرجل لا تفوته صلاة في جماعة ثم يلعن هذا، ويغش هذا، ويغتاب ذاك، ويسرق من تلك ويشهد زوراً على هؤلاء! فلا تجد اثراً لهذه الصلاة، والمسكين "كالحمار يحمل اسفاراً"، وما ذاك الا لانه لم يصلي بل مارس عادة من عاداته الاجتماعية واطلق عليها اسم "الصلاة".

علينا معشر المصلين -والكلام لنفسي قبل غيري- ان نصلي صلاةً تستحق ان ترتفع الى الله عز وجل باحسن حال، فلا نصلي كمن يدفع ضريبة لحاكم ظالم، بل كمن يتقرب الى حيبه رب العرش الكريم، لنكُن كهابيل، لنقدم افضل ما نملك من صلاة لله عز وجل، ولا نكون كقابيل بحيث ننافق انفسنا ونقدم اقبح القربات ثم نتذمر عندما لا يتغير حالنا، فالله طيبٌ لا يقبل الا طيباً.

وعليه تكون النهضة نتاجاً لمجتمع صالح يعبد ربه كانه يراه، فان لم يكن يراه فإنه يؤمن بان الله يراه في ليله ونهاره وسره وجهره، فيخاف الله في نفسه فلا يهلكها بالمعاصي، ويخافه في ماله فلا يصرفه الا في الحلال، ويخافه في اهله فيرعى حقوق زوجته ويربي ابنائه على الخير، ويخاف الله في ارضه فيعمرها ويحرثها شاكراً الله عليها. لهذا قال الله تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [سورة النساء الآية:147]

وقال ايضاً:

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم الآية:7]

اليست الصلاة ارقى وأعظم وسيلة للشكر؟ اذاً هل تستغرب اذا قلت لك "نهضتنا في مواضع سجداتنا"؟

اخوكم
م. محمد موسى

29.1.13



20130130-014712.jpg

أتذكر عندما كنا صغاراً، نجري وراء القطط، نستجمع قوانا كل صباح لمواجة استاذ المسجد؟

أتذكر عندما طاردك ذاك القرد في حمر ججب؟ أ كان يريدك انت ام تلك الموزة في يدك؟

أتذكر عندما كنا نلقي بفطورنا المتكون من الخبز الصومالي (اللحوح) واللحم المقدد؟ كنا نكره ذاك المقدد!

أتذكر عندما ضربني ذاك السمين بعد عودتنا من المدرسة؟ لماذا اوقفتني بعد ان تمكنت منه بعد نوبة غضب عارمة وكدت اهشم راسه بحجر اكبر مني؟

أتذكر البحر؟ الصدف؟ الرمال؟ اتذكر برودة الرمل على اقدامنا؟ لقد نسينا السباحة بعد ان هاجرنا الموطن!

أتذكر زينب؟ تلك الخالة الطيبة؟ كانت تحبنا اكثر من ابنائها؟ اتذكرها تخبئ لنا الحلوة الصومالية بالمكسرات؟ اتذك رائحة حلواها؟

أتذكر عندما كُسرت قدمي وانا اطارد قطط العمة عالية؟ اتذكر ما قالته امي؟ انه "النبسي" يا بني، واظنها كذالك، فالكارما مازالت تلحقني حتى الآن.

كنا مشاغبين حقاً، اتذكر استاذ القرآن الشيخ... ماذا كان اسمه، لا اظنه اخبرنا او ربما نسيناه، اتذكر عصاه؟ صوتها كان اشبة بعاصفة آسيوية تستبق السونامي!

أتذكر بئر العمة؟ لماذا قررت السباحة فيه؟ ظننتك قررت ان ترحل وتتركني وحيداً! انت احياناً اكثر جنوناً مني!

أتذكر قصة العقرب الذي تسلل الى جيبك؟ حتى اليوم لا اعرف كيف لم يقرصك وانت تخرجه بكل تهور من جيبك..!

أتذكر عندما أقنعَنا عمي عكاشة في مباراة الارجنتين ان مردونا مات بعد اصابته ولكنه عاد للحياة ليفوز فريقه! لماذا يكذب الكبار دائماً؟ ولماذا نتذكر تلك القصة؟

أتذكر يا صديقي ام ان القبر انساك مقديشو وقصصها الجميلة...


20130129-231448.jpg

على مدى عقدين من الزمن والعالم يستقبل اخباراً سيئة من الصومال، فمن فوضى، الى عنف مسلح وحرب اهلية ومجاعات، ثم من اجتياح اثيوبي الى قرصنة وحركات متشددة، ولكن صومال اليوم يختلف تماماً عن صومال الامس، فمنذ زيارة الطيب الكريم اردوغان والصومال تعود ببطىء الى مركز اهتمام العالم، ليس شفقةً بهم بل رغبة في الاستثمار فيها قبل ان تستعيد الدولة قوتها الكاملة فتسيطر على جميع ارجاء الوطن ويغلق باب الامتيازات امام الغرب.

ورغم فقر الصومال الا انها تمتلك موارد كثيرة لا تنضب، اهمها مركزها الاستراتيجي كبوابة افريقيا الشرقية، واطلالتها على اهم مراكز الملاحة البحرية. تتميز الصومال ايضاً بمساحة ارضها التي تتجاوز ال ٦٣٧ الف كم مربع، وبسواحلها الخلابة الممتدة على طول ٣٠٢٩ كم وهي اطول السواحل في افريقيا وانقاها، علاوة على مياها الاقليمية الممتدة ٢٠٠ ميل بحري نحو المحيط الهندي، اضف الى ذلك نهريها جوبا وشبيلي واراضها الخصبة الصالحة للزراعة التي تتعدى ال ٢٪ من مساحة الدولة. ليس هذا فحسب بل انه تحت هذه الثروة التي لا تنضب ثروة بملايين بل بمليارات البراميل النفطية التي لم تمس بعد.

وفوق هذا كله يمتلك الصومال ثروة عظيمة لا يعرفها حتى الصوماليون انفسهم، الا وهي الثروة البشرية، اذ انه وبحسب تقرير الامم المتحدة للتنمية البشرية (٢٠١٢) يمتلك الصومال نسبة عالية من الشباب يمكنه اعادة بناء الدولة في سنوات قليلة، اذ ان ٧٣٪ من الشعب هو دون سن الثلاثين، من ما يجعل الصومال احد اصغر دول العالم سناً، الامر الذي سيقود الصومال الى نهضة صناعية وزراعية وتقنية اذا تم اعطاء فرصة لهذا الجيل الجديد الذي يسعى الى مستقبل افضل لنفسه ولارضه.

ما يريده الشاب الصومالي هو فرصة لحياة افضل في جو من السلام والامان، بعيداً عن صوت الرصاص والمدافع، ورغم ما تشهده الصومال من تغيرات، يظل هذا الشاب الصومالي اكثر تفائلاً من غيره من شباب المنطقة، فهو يدرك تماماً ان الحل ياتي بالعلم والعمل الدئوب لبناء وطنه فيقبِل على التعليم وينتظر فرصته بفارغ الصبر ليشرق شمساً لارضه.

ولكن اذا لم يتم الاستفادة من هذه القوة والاندفاع الشبابي لبناء الوطن فانها ستضيع وتنجرف الى العنف المسلح كوسية لكسب القوت اليومي، لذا على الدولة ان تجعل الشباب اهم مصادر قوتها الاساسي، فتستجذبهم من كل مناطق الصومال وتحفز المغتربين منهم في دول العالم وخاصة الغرب ان يعودوا الى وطنهم بشرط توفير العمل اللآئق بشهاداتهم وخبراتهم، وتعليم من فاته التعليم او انشغل عنه.

الصوماليون بطبيعتهم يحبون التجارة، فأينما ذهبوا ربحوا منها واسسوا الشركات وارسلوا اموالاً لذويهم اينما كانوا عبر الحوالات، وهؤلاء التجار يتمركزون غالباً في دول الخليج، وفي اثيوبيا وكينيا وجنوب افريقيا، وفي هلندا والنروج وبريطانيا والولايات المتحدة. لذا على الدولة ان تعيد هؤلاء التجار الى ارض الوطن لتعينهم وتحفزهم على الاستفادة من القدرات الشابة، لبناء مجالات عديدة، خاصة المجال الصناعي بالذات لسهولتة تعلمه ولتناسبه مع نمط حياة المدن التي يفضل الشباب العيش فيها والتي تكون قريبة من الموانئ.

اذا كانت الامم تقاس بشبابها فالصومال بخير، لان الجيل الجديد طلّق الحرب بلا رجعة واحرق البنادق واخذ الاقلام والمعاول، هذا الجيل يعي تماماً ما علية من مسؤليات، ورغم اختلافه في كيفية تحقيق هذه النهضة الموعودة الا انه يدرك تماماً ان الحرب ليست الجواب المطلوب، ورغم تشتت هذا الجيل في بقاع الارض الا انه يؤمن بان ارضه تستحق ان تُحفر ويزرع فيها الامل من جديد.

ان هذا الجيل الجديد يؤمن ان الطريق للنجاة هو في التمسك بدينه الوسطي، وان العدالة هي اساس الحكم، وانه لا مجال للتقدم اذا لم تُحفظ حقوق الناس وخاصة النساء والاقليات منهم، ان هذا الجيل جيلُ علمٍ ومعرفة، فالطعام والمساعدات تنفذ بسرعة ولكن العلم يقود الى التحرر من سلطة المعين وشفقته صديقاً كان او عدواً، وبالعلم لا بغيره تقوم النهضة .

محمد موسى
مهندس ومدون صومالي

اعلانات الموقع

 
© 2012. Design by Main-Blogger - Blogger Template and Blogging Stuff