حينما لا يلتصق النوم بجفنتيك، يُلَوح التفكير لك صوراً بشعة في منتصف الثانية فجراً، مدركاً تمامناً ان ظهرك المسند على سريرك الناعم يستحق الراحة بعد عناء يوم طويل بين المباني العتيقة والطين الملتزق واوراق مبعثرة لمشروعك الحالي. تجد نفسك تحوم في الماضي البعيد باحِثاً عن سر هذا الأرق.
ستقوم بعد اربع ساعات لتركب القطار شرقاً الى دوامك اليومي ولن تجد مؤنِساً لهذه الرحلة الا كتابك الإلكتروني الذي مازالت اخر كلماته ترتع في ذاكرتك. خمسون دقيقة ذِهاباً وإياباً تقضيها يوميا بين هؤلاء الدمى الآلية التي لا ترى الحياة الا غاية وهدفاً سامياً. فتحاول التركيز اكثر فيما بين يديك من كلمات في كتابك الفلسفي عن الهندسة المعمارية وعن قدرة الانسان على فهم ما حوله خلال حواسه الثلاث والثلاثين. تنظر من على النافذة لترسم في مخيلتك فكرة مستوحاة من هذه الكلمات لمشروع في قلب الوطن الغالي.
الوطن، ما هو الوطن ياترى، تُعدل الوسادة وتقول لنفسك؛ الوطن مجموعة من الحواس والصور، مجموعة من القصص والحكم، الوطن أم ثانية ولكنها ام غير امك التي كانت تغني لك في المهد، الوطن تاريخ وامجاد والكثير من السعادة رغم الالم، الوطن شمس صاطعة في يوم رمادي بارد. انه كل ما تخفيه النفوس من حنين للتربه، للبحر، للجبال والاودية، للسيول والانهار، لكل قطرات المطر ونسمات المحيط… الوطن هو كل ما يجلب الغبطة والسرور.
ولكن الوطن ليس وطناً اذا لم يكن له ابناء يحبونه كحبه لهم، الوطن ليس كالام كما قلت بل هو مختلف عنها، الام تصبر على موت ابنائها ولكن الوطن يموت كل يوم بموت ابنائه وبعدهم عنه، ويموت اكثر عندما يكرهونه…
ماذا حصدت الحرب لنا الا الموت، نقول نحن الصوماليون "لا يُنجب الأولاد بالحرب ولكن يقتلون بها" فيا ليتنا اعطينا البنادق للنساء ليجعلوا نتها حطباً للطبخ وقمنا نحن الرجال لنربي اولادنا على حب الوطن وحب ابنائه.
عبثاً دمرنا ارضنا، منذ اغلقنا عقولنا وقلوبا وحكمنا البندقية في امور الرجال، عبثاً دمرنا ارضنا، والاشجار تغني للسلام، الارض تبكي تحت اقدامنا، عبثاً لا لشيء آخر.
يقول الفيتوري في رتوشه على لوحة صومالية:
مقديشو التي لبست دمها..
مقديشو الوجوه الحزينة..
لن تكون، ولم تك من قبل
أول مركبة في الجحيم
وآخر أرجوحة في المطر
مقديشو التي شربت كأسها
مقديشو الرياح السجينة
أزهرت بذرة الموت في أرضها
والتوى الجوع والقهر حول جذوع الشجر
أتراه عقوق البشر
أم نراه انتقام القدر
مقديشو على قبر تاريخها
أمة تنتحر!
صلى السوداني للبنان وسخر من الموت في مقديشو فمن سيتغنى بالموت بعد الموت؟ امتنا لم تمت بعد ولكنها في غيبوبة اقرب إلى الموت السريري بعد فشل انتحارها، تنتظر نورا تتبعه للخروج من دواماتها السوداء.
ثم ترتحل افكارك الى الجنوب الشرقي لتصل الى شارعك الطفولي الذي لا تذكُر منه الا الغبار وكوخ الدجاج وصوصتيك التي لم يسمح لك والدك ان تحملها عندما هاجرتم مشيا نحو الجنوب. وجنوبا جنوبا الى عاصمة المحيط تحملك الصور، الى بئر عمتك في كسمايو حيث الماء الثقيل وهواء مرصع معلب بالذخيرة واصولت النائحات.
ثم جنوبا تسير افكارك لعتريك اصوات امواج المحيط على متن قاربٍ خشبي بمحرك قديم، ثلاثُ ايام من السمك المملح وبعض من الكميس (الخبز الصومالي) وكثير من النوم. تتذكر فلسفة امك عندى سالتها عن ترك صاحب القارب لنا على تلك الجزيرة البيضاء المهجورة، تغلق عينيك فتهب عليك نسائم من الشوق والحنين لارضٍ بلا شعبَ يستحقه. اتذكُرها تقول ان في السماء رباً يحب المساكين؟
وللصومال ربٌ كما أن للبيت رب يحميه، وكما نجاك الله وأمك وأخويك من موت محقق في جزيرة مهجورة سيناي الله الصومال وأهله من انقراض حضاري واجتماعي غير مسبوق، فقط قليل من الصبر والكثير من الأمل سيفي بالغرض.


























ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق