لا يخفى على احد ان حب الوطن غريزة بشرية في البشر، فكلنا يحب موطنه لاسباب لا نعرفها حتى لو كان هذا الوطن خراباً دماراً لا خير فيه، نظل نحبه… محبَّة الإنسان لأرضه وبلده خصلةٌ جبليَّة في الفِطَر، قر عليها الدين الاسلامي ولم يرفضها لان حب الوطن هو حب لجمادات لا تذنب، كحبك لجبال وطنك وسهوله... اما حب شعبه فهذا امر آخر يحدد بعقيدتهم.
طننك هو كل ما تحمله من ذكريات وقصص، هو مسقط رأسك، هو ذاك المكان الذي احتضن طفولتك، ترعرعت فيه وكانت اول صداقاتك، وفيه تكون اول ملامح شخصيك، والوطن ايضاً كل ذلك واكثر ولو لم تره قط، يكفي ان ابويك او اجدادك الكرام عاشوا فيه. فحب الوطن يورث كما تورث الاسماء فلا منجى من حبه الا بحبه اكثر.
نحن الصوماليون نعشق أرضنا، بتلاله وسهوله وجباله، بخريفه وربيعه وشتائه، حتى صيفه الحارق نحبه، ويزداد حبنا له كلما غبنا وتهجرنا عنه، فأرضي وإن جارت عليَّ عزيزة ... وأهلى وإن بخلوا عليَّ كرامُ… كم نتغنا بارضنا بطريقتنا الخاصة، كم نجور على انفسنا ونتحد على شئ واحد وهو انت يا وطني، نتحد على حبك، ونبرر كل شئ بحبك.
من يغادر وطنه حباً في غيره ليس كالصومالي الذي يخرج غصباً، هارباً، شارداً بروحه وتاركاً كل ما يملك ليضيع مع المفقودين في دوامة الصراع. يخرج الصومالي من ارضه وهو في نارين نار الشوق والحنين لما يترك ونار العيون المحتقره له اينما حطت به راحلته، حتى اقرانه ينظرون اليه كخائن ترك ارضه لتحترق متجاهلين ما يمر به من غربة المهجر ولو مان ميسور الحال.
ترك الصحابة مكة وهي اعز أرض الله عليهم، تركوها حباً لله ولما عنده وهربوا من قومٍ اعلنوا لهم العداوة وارادوا سحقهم، ولذلك مدحهم الله بقوله: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ". لا نزعم اننا بدرجتهم ولكننا خرجنا من ارضنا رغماً عنا راجين من الله ان يصبرنا على الغربة ونارها ويعيدنا سالميين لارضنا عما قريب.
وهذا كان حال الرسول صلى الله عليه وسلم فلما خرج من مكة في هجرته الى المدينة قال قولته المشهورة: "والله، إنَّك لأحبُّ البِقاع إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ "، وفي مهجره في المدينة كان يتتبع اخبار وطنه فيسأل أُصيل بن عبدالله الغفاري القادم الجديد من مكة فيقول: "كيف تركت مكة يا أصيل؟"، فقال: تركتُها حين ابيضَّت أباطِحُها، وأحجن ثُمامُها، وأغدَقَ إذخرُها، وأمشَرَ سلَمُها. فاجابه صلى الله عليه وسلم: "وَيْهًا يَا أَصِيلُ ، دَعِ الْقُلُوبَ تُقِرُّ قَرَارَهُ " (حديث مرفوع وفيه كلام)
ولكن…كلّ يدّعي وصلا بليلى … وليلى لا تقرّ لهم بذاكا…ولهذا لقياس مدى صدق هذا الحب، يكون للوطن حقوق وواجبات يجب الوفاء بها، أهم هذه الواجبات هو الحفاذ على القيم الذينية للمجتمع لان انتشار الفساد الاجتماعي يعرض الوطن للضياع، وهذا يبداء من البيت ومن اخلاق الشخص نفسه باتباع دين الله الوسطي والحفاظ على تأدية واجباته الدينية اتجاه اسرته ومجتمعه.
الدين هو صمام امان الوطن اذا ضاع اصبح الوطن عرضه للعقاب الجماعي فيحل الفساد والفقر وتعم الفوضى، قال تعالى عن قرية كفرت بانعم ربها: "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون"
ومن واجبات الوطنية ايضاً المحافظة على تديُّن المجتمع وصَلاحه بتوجيه النصح للكل بطريقه لبقة لا تجرح شعورهم لاننا في سفينة واحدة. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذين في أسفلها اذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا! فان تركوهم وما أرادوا هلكوا، وهلكوا جميعا، وان أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا" رواه البخاري.
و قال الله تعالى "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" سورة فصلت، وقال تعالى أيضا "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" . لذلك علينا ان يكون حبنا لوطننا من خلال اصلاح المجتمع.
ومن شروط حب الوطن ايضاً الاخلاص في العمل والصدق والامانة وعدم المحاباة واحترام القوانين، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه." أخرجه أبو يعلى والطبراني، وصححه الألباني، فتخيل مجتمعاً يتقن كل عمل يقوم به من صلاتهم الى صناعتهم وتجارتهم، الى زراعتهم وطبهم... مجتمع متقن بارع في كل اعماله.
وخلاصة القول هي ان حب الوطن يكون بالعمل لرقيه، من خلال الالتزام بدين الله وبالاخلاق الحمية واهمها النصيحة، الامانة والاتقان في العمل اياً كان وهذا هو السبيل للنهوض بوطننا الحبيب…


























ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق